أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٢٧ - التنبيه الثامن عشر النسبة بين الاستصحاب و سائر الاصول العمليّة
البراءة الشرعيّة مخصّصة لدليله، فإنّ مخصّصيتها له ممّا يتوقّف على اعتبارها معه، و اعتبارها معه ممّا يتوقّف على مخصّصيتها له، و هو دور محال (انتهى كلامه مع شرح و توضيح).
و لكن يرد عليه: أنّ موضوع البراءة الشرعيّة إنّما هو الشكّ في الحكم الواقعي، و هو باقٍ على حاله واقعاً حتّى بعد قيام الاستصحاب، لأنّ المفروض أنّ الاستصحاب ليس أمارة حتّى يحصل به الاطمئنان بالواقع، أضف إلى ذلك أنّه يجري عين هذا البيان (لزوم التخصيص بلا مخصّص أو التخصيص على وجه دائر) في الطرف المقابل أيضاً، لأنّهما في عرض واحد و لسانهما واحد.
و ذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى أنّه حاكم على البراءة الشرعيّة من باب «أنّها من الاصول غير التنزيلية (غير المحرزة) فيكون الاستصحاب المتكفّل للتنزيل رافعاً لموضوعها بثبوت التعبّد به شرعاً فيكون حاكماً عليها» [١].
و لكن يرد عليه أيضاً:
أوّلًا: ما مرّ سابقاً من أنّه لا فرق من هذه الجهة بين الأمارة و الأصل، فإنّ الشكّ مأخوذ في موضوع كليهما، حيث إنّ الوارد في دليل حجّية الأمارة أيضاً «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (أي عند الشكّ و عدم العلم)، نعم كأنّه قال: «اسألوا حتّى تعلموا» فالغاية هو العلم بالواقع و الوصول إلى الواقع، بخلاف الأصل فإنّه لمجرّد رفع الحيرة في مقام العمل، و به لا يصل المكلّف إلى الواقع.
ثانياً: أنّ مفاد دليل الاستصحاب إنّما هو النهي عن نقض اليقين السابق حيث يقول: لا تنقض اليقين (أي اليقين السابق) بالشكّ، و لا يقول: لا تنقض لأنّك على يقين من الحكم المتيقّن سابقاً حتّى يكون مفاده تنزيل المؤدّى منزلة الواقع.
ثمّ إنّ للشيخ الأعظم (رحمه الله) بياناً آخر للحكومة أي حكومة الاستصحاب على البراءة الشرعيّة بالنسبة إلى بعض أدلّتها مثل قوله ٧: «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» و نحوه، و إليك نصّ كلامه: «إنّ دليل الاستصحاب بمنزلة معمّم للنهي السابق بالنسبة إلى الزمان اللاحق فقوله ٧: «لا تنقض اليقين بالشكّ» يدلّ على أنّ النهي الوارد لا بدّ من إبقائه و فرض
[١] أجود التقريرات: ج ٢، ص ٤٩٤، طبعة مؤسسة مطبوعات ديني.