أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٤ - هل الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة؟
لا بدّ و أن يكون لأغراض حتّى تقوم بها المعيشة الاجتماعيّة، و هو سبحانه أعزّ و أعلى منه، و أمّا المالكيّة التكوينيّة بمعنى أنّ الموجودات و الكائنات قائمة بإرادته، مخلوقة بمشيّته، واقعة تحت قبضته تكويناً فلا يمكن للعبد أن يتصرّف في شيء إلّا بإذنه التكويني و إرادته فهى غير مربوطة بالمقام [١].
أقول: أنّ المالكيّة التكوينيّة ليست في عرض المالكيّة القانونيّة بل إنّها أمر فوقها و حينئذٍ تتصوّر المالكيّة الاعتباريّة بالنسبة إلى الباري تعالى بطريق أولى، أي المالكية التكوينية تتضمّن المالكيّة القانونيّة و تكون منشأً لها كما يشهد به استدلال القائلين بالمالكيّة الشخصيّة للإنسان في محصول عمله في مقابل منكريها بأنّ الإنسان مالك تكويناً لنفسه و أعضائه و قواه، فيكون مالكاً لعلمه، و بالنتيجة يكون مالكاً لأمواله، حيث إنّه تجسّد للعمل و تبلور له.
أضف إلى ذلك أنّه يمكن الاستدلال لمالكيّته التشريعيّة مع قطع النظر عن مالكيته التكوينيّة بآية الخمس إذ إنّ مالكيته بالنسبة إلى الخمس في قوله تعالى «للَّهِ خُمُسَهُ» تشريعية بلا ريب لأنّها جعلت في عرض مالكية الأصناف الخمسة الاخرى، فمقتضى وحدة السياق أن تكون مالكيته تعالى من سنخ مالكية سائر الأصناف.
مضافاً إلى أنّه لو كان المراد المالكيّة التكوينيّة فلا معنى لأن يكون خصوص سهم من الخمس ملكاً تكوينياً له حيث إنّ العالم كلّه ملك له تعالى و كذا الكلام بالنسبة إلى الأنفال و شبهها.
و إن شئت قلت: إذا كان التصرّف في الملك الاعتباري غير جائز عقلًا فعدم جواز التصرّف في الملك التكويني بطريق أولى.
ثمّ إنّه قد يستدلّ على القول بالإباحة في مقابل الحظر بقاعدة قبح العقاب بلا بيان لكن الحقّ أنّه في غير محلّه لأنّ هذه القاعدة تتصوّر بعد أن قام الشارع للبيان و لم يبيّن، بينما المفروض في المقام إنّما هو ما قبل البيان، مضافاً إلى أنّه يمكن أن يكون حكم العقل بعدم جواز التصرّف في ملك الغير بنفسه بياناً.
و هنا كلام للمحقّق الأصفهاني (رحمه الله) لإثبات أنّ الأصل هو الإباحة لا الحظر، حيث يقول:
[١] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٢١٣، طبع جماعة المدرّسين.