أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٥ - هل الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة؟
«إنّ المنع تارةً ينشأ عن مفسدة في الفعل تبعث الشارع بما هو مراعٍ لمصالح عباده و حفظهم عن الوقوع في المفاسد على الزجر و الردع عمّا فيه المفسدة، و هذا هو المنع الشرعي، لصدوره من الشارع بما هو شارع، و في قبالة الإباحة الشرعيّة الناشئة عن لا اقتضائيّة الموضوع و خلوّه عن المفسدة و المصلحة، فإنّ سنّة اللَّه و رحمته مقتضية للترخيص في مثله لئلّا يكون العبد في ضيق منه. و اخرى لا ينشأ عن مفسدة إمّا لفرض خلوّه عنها، أو لفرض عدم تأثيرها فعلًا في الزجر كما في ما قبل تشريع الشرائع و الأحكام في بدو الإسلام بل من حيث إنّه مالك للعبد و ناصيته بيده يمنعه عن كلّ فعل إلى أن يقع موقع حكم من الأحكام حتّى يكون صدوره و وروده عن رأي مولاه، فهذا منع مالكي لا شرعي، و في قباله الإباحة المالكيّة و هو الترخيص من قبل المالك لئلّا يكون في ضيق منه إلى أن يقع الفعل موقع حكم من الأحكام، فنقول: حيث إنّ الشارع كلّ تكاليفه منبعث عن المصالح و المفاسد لانحصار أغراضه المولويّة فيها فليس له إلّا زجر تشريعي أو ترخيص كذلك، فمنعه و ترخيصه لا ينبعثان إلّا عمّا ذكر، و لا محالة إذا فرض خلوّ الفعل عن الحكم بقول مطلق، أعني الحكم الذي قام بصدد تبليغه و إن كان لا يخلو موضوع من الموضوعات من حكم واقعي وحياً أو إلهاماً فليس الفعل منافياً لغرض المولى بما هو شارع فليس فعله خروجاً عن زيّ الرقّية، و منه يتبيّن أنّ الأصل فيه هو الإباحة لا الحظر، فإنّ عدم الإذن المفروض في الموضوع لا يؤثّر عقلًا في المنع العقلي إلّا باعتبار كون الفعل معه خروجاً عن زي الرقّية، و حيث إنّه فرض فيه عدم المنع شرعاً فلا يكون خروجاً عن زيّ الرقّية إذ فعل ما لا ينافي غرض المولى بوجهٍ من الوجوه بل كان وجوده و عدمه على حدّ سواء لا يكون خروجاً عن زي الرقّية» [١].
فملخّص كلامه أنّه بما أنّ كلّ تكاليف الشارع صادرة عن المصالح و المفاسد فإذا فرض خلوّ الواقع عن الحكم كما في ما قبل الشرع فلا يكون فعل العبد حينئذٍ خروجاً عن زي الرقّية فيكون الأصل في هذه الحالة الإباحة، فيكون لازم كلامه أنّ مالكيّة اللَّه تعالى مندكّة في مولويته، أي كلّ ما هو وظيفة للعباد يكون من طريق مولويته لا مالكيته لأنّ أغراضه منحصرة في المصالح و المفاسد التشريعيّة، و حيث إنّ المفروض عدم وصول حكم من ناحية
[١] نهاية الدراية: ج ٢، ص ٢٠٥، طبع القديم.