أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٩ - الأمر الأوّل في أدلّة حجّية القرعة
ثمّ إنّ شيخنا الأعظم (رحمه الله) قد فرّق بين الاصول الشرعيّة كالاستصحاب و بين الاصول العقليّة، فقال بورود الاصول الشرعيّة على القرعة خلافاً للُاصول العقليّة كالبراءة العقليّة فإنّ القرعة واردة عليها لأنّ موضوعها «لا بيان» و القرعة بيان.
و بما ذكرنا ظهر ضعف هذا الكلام لأنّ موضوع القرعة- كما قلنا- هو المجهول المطلق، و هو ليس حاصلًا حتّى في موارد البراءة و الاحتياط العقليين، و لذلك لا يتمسّك حتّى الشيخ (رحمه الله) نفسه بذيل القرعة في أطراف العلم الإجمالي، مع أنّ وجوب الاحتياط فيها من الاصول العقليّة.
و تمام الكلام في مسألة القرعة و تحقيق مثل هذه المباحث يحتاج إلى رسم امور (و إن كان استيفاء البحث فيها موكولًا إلى محلّ آخر) [١].
الأمر الأوّل: في أدلّة حجّية القرعة
و قد يدلّ عليها الأدلّة الأربعة من الكتاب و السنّة و الإجماع و بناء العقلاء (لا دليل العقل):
أمّا الكتاب: فهو آيتان إحداهما: قوله تعالى في قصّة زكريا و ولادة مريم: «وَ مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» [٢] فإنّه بعد ما وقع التشاحّ بين الأحبار لتعيين من يكفل مريم حتى بلغ حدّ الخصومة و لم يجدوا طريقاً لرفعه إلّا القرعة تقارعوا بينهم، فوقعت القرعة على زكريّا.
ثانيهما: قوله تعالى: «وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ» [٣] و قصّة يونس (إباقه من قومه ثمّ وروده في سفينة و وقوع القرعة عليه ثلاث مرّات) معروفة.
إن قلت: إنّ الآيتين وردتا في الشرائع السابقة، و قد مرّ أنّ الأقوى عدم حجّية استصحابها للشريعة اللاحقة.
قلنا: إنّ تمسّكنا بهما في المقام ليس مبنيّاً على حجّية استصحاب الشرائع السابقة، بل مبنى
[١] راجع كتابنا القواعد الفقهيّة: المجلّد الأوّل من الطبعة الثانية، القاعدة السادسة.
[٢] سورة آل عمران: الآية ٤٠.
[٣] سورة الصافات: الآية ١٣٩- ١٤١.