أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٦٨ - في بطلان القسم الأوّل من التصويب (التصويب الأشعري)
نصّ، فالنصّ كأنّه مقطوع به من جهة الشرع، لكن لا يصير حكماً في حقّ المجتهد إلّا إذا بلغ و عثر عليه، و أمّا إذا لم يبلغه و لم يعثر عليه فليس هو حكماً في حقّه إلّا بالقوّة، لأنّ الحكم الفعلي عبارة عن النصّ البالغ المعثور عليه، و أمّا ما لم يرد فيه نصّ فيعلم أنّه لا حكم فيها لأنّ حكم اللَّه تعالى خطابه، و خطابه يعرف بأن يسمع من الرسول أو يدلّ عليه دليل قاطع من فعل النبي ٦ أو سكوته، فإذا لم يكن خطاب لا مسموع و لا مدلول عليه فكيف يكون فيه حكم؟ [١].
أقول: إنّ هذا التقسم قد نشأ من الخلط بين مراتب الحكم الثلاثة:
مرتبة الجعل، و هى مرحلة الإنشاء، نظير ما يصوّب في مجالس التقنين في زماننا هذا قبل الإبلاغ إلى الدولة و الموظفين للإجراء، فإنّه و إن كان مصوباً في هذه المجالس و لكن لا يكلّف المواطنون بالعمل به إلّا بعد إبلاغه رسميّاً إلى الدولة.
و مرحلة الفعليّة و هى مرحلة الإبلاغ و البعث أو الزجر فيلزم العمل على طبقه.
و مرحلة التنجيز، و هى مرحلة استحقاق العقاب في صورة ترك العمل، و هى لا تشمل الجاهل القاصر أو العالم العاجز عن العمل به و أمثالهما.
في بطلان القسم الأوّل من التصويب (التصويب الأشعري)
إذا عرفت هذه الامور الثلاثة فاعلم: أنّ الحقّ بطلان التصويب بالمعنى الذي اشتهر بين المصوّبة (أي التصويب الأشعري) لأنّ هذا المعنى من التصويب يبتني على أمرين:
١- وجود وقائع خالية عن الحكم.
٢- أن يكون اختيار التقنين بيد الفقيه فيكون من شئون الفقيه جعل الحكم و تقنين الأحكام فيما لا حكم فيه، ذلك الأمر الذي يعبّر عنه أخيراً بالتشريع الإسلامي، و الذي يذكر له مصادر و منابع.
و كلا الأمرين قابل للمناقشة و المنع:
[١] الاصول العامة للفقه المقارن: ص ٦١٨.