أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٦٧ - الأمر السادس التخطئة و التصويب
توضيح ذلك: قد مرّ أنّ الاجتهاد بالمعنى العام هو استنباط الحكم عن أدلّته التفصيليّة و أنّ الاجتهاد بالمعنى الخاصّ هو تقنين المجتهد و تشريعه فيما لا نصّ فيه، و لا إشكال في عدم لزوم التصويب المحال بناءً على الاجتهاد بالمعنى الخاصّ لأنّه ليس فيما لا نصّ فيه حكم على زعمهم حتّى يقال بأنّه لا بدّ للطلب من مطلوب، و قد نصّ على ذلك الغزالي في مستصفاه، و قال: «إنّه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يطلب بالظنّ، بل الحكم يتبع الظنّ، و حكم اللَّه تعالى على كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه، و هو المختار، و إليه ذهب القاضي، و ذهب قوم من المصوّبة إلى أنّ فيه حكماً معيّناً يتوجّه إليه الطلب، إذ لا بدّ للطلب من مطلوب، لكن لم يكلّف المجتهد إصابته، فلذلك كان مصيباً و إن أخطأ ذلك الحكم المعيّن الذي لم يؤمر بإصابته، بمعنى أنّه أدّى ما كلّف فأصاب ما عليه» [١].
و قد نسب مؤلّف الاصول العامّة القول الأوّل إلى محقّقي المصوّبة، و قال بعد ذلك: «و قد عرف القسم الأوّل من التصويب على ألسنة بعض الباحثين من الاصوليين بالتصويب الأشعري كما عرف القسم الثالث بالتصويب المعتزلي» [٢].
فظهر أنّه بناءً على ما ذهب إليه مشاهير المصوّبة أنّه لا موضوع للقسم الأوّل من التصويب فيكون التقسيم ثلاثيّاً، نعم أنّه رباعي بناءً على قول غيرهم، كما ظهر أنّ التصويب الأشعري هو هذا المعنى المنسوب إلى مشاهير المصوبة، لا ما مرّ من القسم الأوّل، و أنّ التصويب المعتزلي هو نفس ما عليه المخطئة لا القسم الثاني من الأقسام الأربعة السابقة.
و الحاصل أنّ الاشتباه في دعوى استحالة القسم الأوّل من التصويب نشأ من توهّم كون المراد من الاجتهاد هو الاجتهاد بالمعنى المعروف، أي استفراغ الوسع في كشف الحكم الشرعي عن أدلّتها، بينما ليس مرادهم ذلك، بل الاجتهاد عندهم هو استفراغ الوسع في طلب المصالح و الفاسد و تشريع الأحكام على وفقها من ناحية المجتهد فليس هناك حكم واقعي يطلبه المجتهد حتّى يلزم المحال.
ثمّ إنّ للغزالي هنا في توجيه نظره كلاماً حاصله ما يلي: الكلام الكاشف للغطاء (رحمه الله) عن هذا الكلام المبهم هو أنّا نقول: المسائل منقسمة إلى ما ورد فيها نصّ و ما لم يرد، أمّا ما ورد فيه
[١] الاصول العامّة للفقه المقارن: ص ٦١٧.
[٢] المصدر السابق.