أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩٦ - التنبيه الثاني عشر استصحاب تأخّر الحادث
اليقين بالوجوب، و قد ذكر هذا المثال المحقّق النراقي (رحمه الله) في كلامه عند الاستدلال لعدم جواز إجراء الاستصحاب في الشبهات الحكميّة.
ثانيهما: ما قد يكون في أطراف العلم الإجمالي بعد العلم التفصيلي، كما إذا كانت في البين ذبيحة و ميتة، ثمّ اختلطا و اشتبه الأمر علينا فلا نعلم أيّتهما ذبيحة و أيّتهما ميتة؟ فلا يمكن إجراء استصحاب عدم التذكية في كلّ واحد منهما، لا لوجود العلم الإجمالي بأنّ أحدهما مذكّى، لأنّ العلم الإجمالي يمنع عن جريان الأصل في أطرافه إذا استلزم مخالفة عمليّة، و لا يخفى أنّه لا يلزم من إجراء استصحاب عدم التذكية في كلا الطرفين مخالفة عملية، بل الإشكال في انفصال زمان الشكّ عن زمان اليقين، حيث إنّ زمان اليقين بعدم التذكية في كليهما إنّما هو زمان حياتهما، و زمان الشكّ هو بعد الاختلاط و بعد فصل اليقين بصيرورة أحدهما مذكّى و صيرورة الآخر ميتة.
هذا كلّه في المقام الأوّل، و هو ما إذا كان كلّ من الحادثين مجهول التاريخ.
أمّا الموضع الثاني: (و هو ما إذا كان أحدهما مجهول التاريخ و الآخر معلوم التاريخ، كما إذا علمنا في المثال السابق بوقوع الملاقاة في يوم الأحد، و لا نعلم أنّ الكرّية هل وقعت يوم السبت حتّى لا تؤثّر الملاقاة في نجاسة الماء أو وقعت بعد الأحد حتّى يكون الماء نجساً؟) فيجري فيه أيضاً الأقسام الخمسة المذكورة في المقام الأوّل، كما لا كلام في أربعة منها هنا أيضاً، بل إنّما الكلام و الإشكال في مفاد ليس الناقصة (و المراد منه- كما أشرنا سابقاً- ما إذا كان الأثر مترتّباً مثلًا على عدم كون الماء كرّاً في زمن الملاقاة و على عدم كون النجس ملاقياً للماء إلى أن صار كرّاً). فقد حكم الشيخ الأعظم (رحمه الله) فيه بجريان استصحاب العدم في خصوص مجهول التاريخ دون معلوم التاريخ، و مقتضى ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) عدم جريانه فيهما لما عرفت من شبهة انفصال زمان الشكّ عن زمان اليقين فيه أيضاً، كما أشار إليه في بعض كلماته في المقام، لأنّ المفروض أنّ زمان الشكّ بالنسبة إلى مجهول التاريخ هو يوم الأحد (فإنّه يوم الملاقاة) و زمان اليقين بعدم الكرّية هو يوم الجمعة، و لكن الجواب هو الجواب فلا نعيد.
هذا بالنسبة إلى مجهول التاريخ.
و أمّا معلوم التاريخ فذهب الشيخ الأعظم (رحمه الله) إلى عدم جريان استصحاب العدم فيه كما مرّ، آنفاً و تبعه عليه جماعة آخرون.