أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٩ - الفصل الأوّل في مقتضى الأصل الأوّلي في المتعارضين
حينئذٍ في باب التزاحم أيضاً.
نعم قد فصّل المحقّق الخراساني (رحمه الله) هنا و قال: هذا إذا قلنا بالسببيّة مطلقاً و لو فيما علم كذبه، و أمّا إذا قلنا بسببية الأمارات في خصوص ما لم يعلم كذبه من الخبرين المتعارضين بأن لا يكون ما علم كذبه مسبّباً لحدوث مصلحة أو مفسدة في المتعلّق، فحالهما حينئذٍ من حيث مقتضى القاعدة الأوّليّة كحالهما بناءً على الطريقيّة عيناً (من التساقط كما سيأتي) و هذا هو المتيقّن من أدلّة اعتبار الأمارة من سيرة العقلاء و الآيات و الأخبار، و ما ذكره قريب من الصواب.
٣- السببيّة الظاهريّة، و المراد منها أنّ أدلّة حجّية الأمارة تجعل حكماً ظاهرياً مماثلًا لمؤدّاها، و هذا ما ذهب إليه جماعة من الأعاظم، و هو المقصود ممّا حكاه صاحب المعالم عن العلّامة (رحمه الله) من أنّ ظنّية الطريق لا تنافي قطعيّة الحكم، فمراده من الحكم القطعي إنّما هو الحكم القطعي الظاهري بلا ريب.
و النتيجة بناءً على هذا المعنى هو التساقط بناءً على كون الحكم الظاهري المماثل مجرّد طريق إلى الواقع فحسب، من دون حصول أي مصلحة فيه (كما هو الظاهر)، و أمّا إذا قلنا إنّها توجب في مؤدّيها حصول مصلحة أقوى من مصلحة الواقع أو المساوي لها فهو يشبه حينئذٍ مبنى السببيّة المعتزلية، و نتيجته التزاحم بين الأمارة التي أصابت إلى الواقع و الأمارة التي أخطأت و لكنّها أوجبت مصلحة في مؤدّيها، فيكون مقتضى الأصل حينئذٍ التخيير أيضاً.
٤- السببيّة السلوكيّة أو المصلحة السلوكيّة، و المراد منها أنّ أدلّة حجّية الأمارة لا توجد مصلحة في مؤدّيها في صورة الخطأ بل إنّها توجب حصول مصلحة في نفس السلوك على طبقها ما يعادل مصلحة الواقع، ففي مثال الأمارة التي قامت على وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة لا توجب أدلّة حجّيتها حصول مصلحة في نفس صلاة الجمعة بل توجد مصلحة في العمل بقول الثقة مثلًا و سلوك هذا الطريق.
فعلى هذا المبنى أيضاً يكون مقتضى القاعدة التخيير و الدخول في باب التزاحم (على تفصيل مرّ ذكره) و لكن لا دليل على حصول هذه المصلحة في مقام الإثبات، سلّمنا- لكن يرد عليه ما مرّ من إشكال المحقّق الخراساني (رحمه الله) من أنّ المتيقّن من أدلّة اعتبار الأمارة هو سببيّة الأمارات في خصوص ما لم يعلم كذبه من الخبرين.