أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٩ - نقد سائر الأقوال
و اجيب عنه: بأنّ «قبح كثرة التخصيص لا يدور مدار كون الخروج بعنوان واحد أو بعناوين إذا كان المخصّص منفصلًا بل لا بدّ في دفعه من أن يكون إخراج الجميع بجامع عرفي يقف عليه المخاطب، و إلّا لو فرض وجوده الواقعي و فرض غفلة المخاطب عنه، بل كان التخصص عنده، بغير هذا الجامع فلا يخرج الكلام من الاستهجان» [١].
أقول: المراد من كثرة التخصيصات هنا هو «ما يتراءى في بادئ النظر من وجود أحكام ضرريّة كثيرة في الشريعة كوجوب الأخماس و الزكوات و أداء الدّيات و تحمّل الخسارات عند الاتلاف و الضمانات و غير ذلك ممّا تتضمّن ضررياً مالياً، و كوجوب الجهاد و الحجّ و غيرهما ممّا تحتاج إلى بذل الأموال و الأنفس، و كوجوب تحمّل الحدود الشرعيّة و القصاص و أشباهها ممّا تتضمّن ضرراً نفسيّاً أو عرضياً»، و لكن قد مرّ سابقاً عدم كون هذه الأحكام ضرريّة بأدنى تأمّل، و الشاهد على ذلك وجودها و تداولها عند العرف و العقلاء فإنّهم لا يزالون يحكمون بلزوم بذل الخراج و العشور و الخروج إلى الجهاد و أداء وظيفة النظام و غيرها فلا يرونها ضرراً عليهم بل يرونه نفعاً بمنزلة القاء البذر في الأرض، الذي يعدّ ضرراً في النظر البدوي السطحي، مع أنّه سوف يترتّب عليه نتائج و ثمرات مضاعفة.
و بعبارة اخرى: إنّ صلاح المجتمع صلاح لكلّ فرد فرد و لا يصحّ التفكيك بينهما عند العرف و العقلاء، فبصلاح المجتمع يقوم صلاح الأفراد و يحفظ منافعهم.
فلا يلزم حينئذٍ تخصيص من هذه الناحية أصلًا، فضلًا عن لزوم تخصيص الأكثر، نعم هاهنا اطلاقات قليلة تتقيّد بهذه القاعدة، و هذا ليس بعزيز.
ثالثاً: (و هو بحسب الحقيقة تعبير آخر عن الإشكال الثاني) إنّ قاعدة لا ضرر قاعدة امتنانيّة، و الأحكام الامتنانيّة آبية عن التخصيص و إن لم يلزم تخصيص الأكثر، مع أنّ من المعلوم ورود تخصيصات عليها.
و جوابه ظهر ممّا مرّ آنفاً من أنّه لا يلزم تخصيص أصلًا من ناحية هذه الأحكام التي يتراءى كونها ضرريّة، و الشاهد عليه كون أمثالها متداولة بين العقلاء، حيث إنّهم لا يجعلون قانوناً على أنفسهم.
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٤٧٥، طبع جماعة المدرّسين.