أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٨ - نقد سائر الأقوال
المعدّدات و الدواعي المؤكّدة لاختيار أحد الطرفين لا غير، و لذلك في باب القتل لو ألقى شخص إنساناً في البحر و أغرقه عدّ سبباً للقتل، و كذا إذا فتح باب القفس و طار الطائر منه، و أمّا لو أطمع إنساناً عاقلًا مختاراً و أغراه إلى قتل إنسان آخر فلا يستند القتل حينئذٍ إلى المغري و إن كان يجازى في الشرع المقدّس بأشدّ المجازات لتخلّل إرادة إنسان عاقل مختار فيه، و هذا هو المراد ممّا يبحث في باب الحدود من أنّه إذا كان السبب أقوى يستند القتل إليه، و كلّما كان المباشر أقوى يستند القتل إلى المباشر، و المراد من أقوائيّة المباشر كونه مستقلًا في إرادته، و المراد من أقوائيّة السبب عدم تخلّل إرادة المباشر.
لكن يمكن دفع هذا بأنّ كون الإسناد حقيقيّاً لا يتوقّف على توليديّة الأسباب بل ربّما يكون الإسناد حقيقيّاً و لو لم يكن السبب توليديّاً كما إذا الزم الحاكم بتعطيل السوق فعطّله التجار بإرادتهم فتضرّروا، فهنا و إن كانت الإرادة متخلّلة لكن حيث إنّها كانت منبعثة من تهديد الحاكم و قوّته القاهرة يستند الضرر حقيقة إلى الحاكم، و ما نحن فيه من هذا القبيل لحكومة الباري القهّار في الأحكام الإلهيّة، إذاً فأصل ما ذهب إليه المحقّق النائيني من إنّ الإسناد حقيقي أمر صحيح.
لكن يرد عليه: بأنّه لا يختصّ بالأسباب التوليديّة.
و بهذا يندفع الإشكال الأوّل الوارد على الشيخ (رحمه الله) و إن قبله نفسه، حيث اعترف بأنّ «ما اختاره من المعنى ليس على طريق الحقيقة بل على نحو المجاز، لتعذّر حمله على الحقيقة، لوجودها في الخارج».
ثانياً: أنّه يلزم منه تخصيص الأكثر، و هو مستهجن عرفاً، فيعلم من هنا أنّ للقاعدة معنىً آخر غير ما يظهر لنا في بادئ النظر فتصير مجملة، و لا بدّ حينئذٍ من الاقتصار في مقام العمل بها على موارد عمل الأصحاب.
و هذا ما سيأتي تفصيل البحث عنه و عن جوابه في التنبيهات، و نشير إليه هنا إجمالًا فنقول:
قد وقع الأعلام لدفع هذا الإشكال في حيص و بيص، و الشيخ (رحمه الله) أيضاً كان ملتفتاً إليه و أجاب عنه بأنّ الجميع خرج بعنوان واحد لا بعناوين متعدّدة، و لا استهجان فيه و إن كان ذلك العنوان معلوماً في علم اللَّه تبارك و تعالى و مجهولًا عندنا.