أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١١١ - المقام الأوّل في دوران الأمر بين المتباينين
مجال للإذن في مخالفته لعدم بقاء موضوع للحكم الظاهري (و هو الشكّ في الحكم الواقعي) لانكشافه تمام الانكشاف حسب الفرض، و لهذا يكون العلم التفصيلي علّة تامّة للتنجّز كما أنّ العلم الإجمالي يكون مقتضياً له كما صرّح به في تعليقته على الرسائل [١]، بينما المقصود من كلامه الثاني (و هو ما أفاده في مبحث الاشتغال) أنّه لو فرضنا إنّا كشفنا من دليل خارجي كالإجماع إنّ تكليفاً ما فعلي من جميع الجهات [٢] و فعليته تامّة من ناحية إرادة المولى و كراهته بحيث لا يتوقّف العقوبة على مخالفته إلّا على مطلق وصوله إلى المكلّف بأي نحو كان من أنحاء الوصول فلا فرق حينئذٍ بين العلم التفصيلي و العلم الإجمالي في تنجّز التكليف و عدم وجوب الموضوع للُاصول المرخّصة، و أمّا إذا كشفنا من الخارج عدم كونه فعليّاً من جميع الجهات و أنّ فعليته لا تكون تامّة إلّا بالعلم التفصيلي فليس للعلم الإجمالي حينئذٍ تأثير في التنجّز إلّا بنحو الاقتضاء و يكون موضوع الأصل المرخّص موجوداً.
أقول: الإنصاف أنّه لا فرق بين العلم التفصيلي و العلم الإجمالي إذا تعلّقا بما هو فعلي من جميع الجهات بل و كذلك في الشبهة البدوية إذا كان المشكوك على فرض وجوده فعلياً من جميع الجهات كما في الشبهات قبل الفحص و شبهها، فحينئذٍ يكون الاحتمال منجّزاً لأنّ المفروض إنّ التكليف على فرض وجوده فعلي بتمام معنى الكلمة فلا مؤمّن من العقاب فلا بدّ من امتثاله بالاحتياط.
ثمّ إنّ ما مرّ من التفصيل ناظر إلى مقام الثبوت و يكون على نهج القضية الشرطيّة المعلّقة و أشبه بالضرورة بشرط المحمول فيكون توضيحاً للواضح على وجه.
و المهمّ هو تعيين الحكم في مقام الإثبات و أنّ المستظهر من الأدلّة ما هو؟ فنقول: المستفاد
[١] تعليقته على الرسائل: ص ٢١.
[٢] اعلم أنّ مراتب الحكم على ما ذكروه أربع (كما مرّ سابقاً): مرتبة الاقتضاء، و مرتبة وجوب المصالح و المفاسد، و مرتبة الإنشاء، و مرتبة الفعليّة أي البعث و الزجر، و الفرق بين الأخيرة و بين ما قبلها يظهر من الفرق بين الأحكام التي نزلت على النبي ٦ و لم يؤمر بإبلاغها فإنّها إنشائيّة غير فعليّة، و المرحلة الأخيرة هى مرحلة التنجّز و هى ما إذا اجتمعت الشرائط في المكلّف من العقل و القدرة و غيرهما و انتفت الموانع كالضرورة و غيرها، و الحقّ كما ذكرنا في محلّه كون الحكم ذات مرتبتين فقط لأنّ المصالح و المفاسد امور خارجيّة لا أحكام اعتباريّة، و مرحلة التنجّز و الفعليّة كلتاهما داخلتان تحت عنوان واحد، و تمام الكلام في محلّه.