أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١١٠ - المقام الأوّل في دوران الأمر بين المتباينين
٣- جواز المخالفة مطلقاً سواء كانت قطعيّة أو احتماليّة، و هو المحكي عن العلّامة المجلسي (رحمه الله).
و منشأ النزاع و الاختلاف في المقام هو أنّ العلم الإجمالي هل هو علّة تامّة لحرمة المخالفة و وجوب الموافقة: أو يكون علّة ناقصة لهما؟ و فيه مذاهب ثلاثة:
١- كونه علّة تامّة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعيّة و الاحتماليّة معاً و أنّ العقل يحكم مستقلًا بها و لا يمكن ردعه من جانب الشارع المقدّس، و هو المنسوب إلى المحقّق الخراساني (رحمه الله) في المقام.
٢- كونه مقتضياً في كلا المقامين، فيمكن إيجاد المانع من ناحية الشارع، و هو مقتضى القول المنسوب إلى العلّامة المجلسي (رحمه الله) و مختار المحقّق الخراساني (رحمه الله) في مبحث القطع.
٣- التفصيل بين المخالفة القطعيّة و الاحتماليّة بأن يكون العلم الإجمالي علّة تامّة في الاولى و مقتضياً في الثانية و هو مختار الشيخ الأعظم (رحمه الله).
و الظاهر أنّ ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) في المقام (مبحث الاشتغال) ليس عدولًا عمّا أفاده في مبحث القطع كما توهّمه بعض، حيث إنّه قال هناك: «إنّ التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف و كانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة جاز الإذن من الشارع بمخالفة احتمالًا بل قطعاً ... نعم كان العلم الإجمالي كالتفصيلي في مجرّد الاقتضاء لا في العلّية التامّة فيوجب تنجّز التكليف أيضاً لو لم يمنع عنه مانع عقلًا» و قال: «إنّ التكليف المعلوم بينهما (المتباينين) ... إن كان فعليّاً من جميع الجهات بأن يكون واجداً لما هو العلّة التامّة للبعث أو الزجر الفعلي مع ما هو عليه من الإجمال و التردّد و الاحتمال فلا محيص عن تنجّزه و صحّة العقوبة على مخالفته، و حينئذٍ لا محالة يكون ما دلّ بعمومه على الرفع أو الوضع أو السعة أو الإباحة ممّا يعمّ أطراف العلم مخصّصاً عقلًا لأجل مناقضتها معه، و إن لم يكن فعليّاً كذلك- و لو كان بحيث لو علم تفصيلًا لوجب امتثاله و صحّ العقاب على مخالفته- لم يكن هناك مانع عقلًا و لا شرعاً عن شمول أدلّة البراءة الشرعيّة للأطراف» (انتهى).
و لا يخفى أنّ المقصود من كلامه الأوّل أنّه إذا علم بالتكليف إجمالًا فحيث إنّه لم ينكشف تمام الانكشاف كانت رتبة الحكم الظاهري محفوظة، للشكّ في وجوب التكليف في كلّ واحد من الأطراف و به يتحقّق موضوع النافي فيجري بلا مانع، بخلاف ما إذا علم به تفصيلًا فلا يبقى