أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٧ - الأمر الرابع في معنى الضرر و الضرار
إلى الرجوع إلى أقوال علماء اللغة في أمثال المقام بعد إمكان الرجوع إلى ما يتبادر منه إلى أذهاننا، لأنّ من يزاول هذه اللغة كمزاولتنا يعدّ من أهل الخبرة بالنسبة إلى أمثال هذه اللغات المعروفة التي يكثر دورانها في الألسن كما لا يخفى.
و الذي نجده من ارتكازنا الحاصل من تتبّع موارد استعمالات كلمة الضرر هو ما مرّ آنفاً من أنّه عبارة عن فقد كلّ ما نجده و ننتفع به من مواهب الحياة في النفس أو المال أو العرض أو غير ذلك.
و بهذا يظهر ما يستفاد من الطريق الثالث (و هو الرجوع إلى التبادر) فالمتبادر من الضرر هو ما ذكره في المفردات مع تغيير أشرنا إليه، و أمّا الطريق الثاني (و هو الرجوع إلى موارد الاستعمال) فكذلك يستفاد منه ما يقابل النفع، و الشاهد عليه وقوع عنوان الضرر في كثير من موارد الاستعمال في مقابل عنوان النفع، و يكفيك في هذا المجال ملاحظة الموارد التي وردت في كتاب اللَّه العزيز كقوله تعالى: «فَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَ لَا يَنفَعُهُمْ» و قوله: «يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَ مَا لَا يَنْفَعُهُ» و قوله: «لَا يَمْلِكُونَ لِانفُسِهِمْ ضَرّاً وَ لَا نَفْعاً».
هذا كلّه في معنى كلمة «الضرر».
و أمّا «الضرار» فحيث إنّ استعماله ليس كثيراً مطّرداً فلا يمكن الرجوع فيه إلى الطريق الثالث و هو التبادر، لعدم حصول ارتكاز و انس ذهني بالنسبة إليه حتّى بالإضافة إلى أهل اللسان، فلا بدّ حينئذٍ من الرجوع إلى الطريقين الآخرين:
أمّا الطريق الأوّل فكلمات اللغويين فيه مختلفة بل ربّما يختلف فيه كلمات لغوي واحد، فقال في لسان العرب: «و روي عن النبي ٦ أنّه قال: لا ضرر و لا ضرار في الإسلام و لكلّ واحد من اللفظين معنى غير آخر فمعنى قوله لا ضرر ... إلى أن قال: و قوله «لا ضرار» أي لا يضارّ كلّ واحد منهما صاحبه، فالضرار منهما معاً و الضرر فعل واحد- و معنى قوله «و لا ضرار» أي لا يدخل الضرر على الذي ضرّه و لكن يعفو عنه.
و الظاهر أنّ ما ذكره معنيان مختلفان: الأوّل: اضرار كلّ واحد بالآخر، و الثاني: المجازاة على الضرر.