أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٢ - نقد سائر الأقوال
قلنا: إنّ الأنصاري لمّا رفع شكواه إلى النبي الأعظم و استدعى النبي سمرة و أمره بالاستئذان عند الدخول و قد كان رجلًا مضارّاً تخلّف عن حكمه، مسّت الحاجة إلى تأديبه، فأصدر حكمه السياسي لحفظ النظام و أمر بقلعها و رميها إلى وجهه، ثمّ علّل هذا الحكم التأديبي بالحكم السياسي الكلّي و أنّه لا ضرر و لا ضرار، و على هذا تتوافق الجمل و يتّضح التناسب بين المعلول (قلع الشجرة) و تعليلها (لا ضرر و لا ضرار) بلا أدنى تكلّف، فإنّ كلًا من المعلول و علّته حكم سياسي تأديبي.
ثمّ ذكر (قدس سره الشريف) في بعض كلماته أنّ نتيجة هذا القول كون القاعدة حكماً صدر من ناحية الحاكم الشرعي لتحديد قاعدة السلطنة فحسب، فلا حكومة لها على سائر الأحكام الوضعيّة و التكليفية. (انتهى) [١].
أقول: يمكن المناقشة في كلامه (رحمه الله) من عدّة جهات:
الجهة الاولى: في الفرق بين الأحكام الإلهيّة و الأحكام السلطانيّة، و الحقّ فيه أنّ الأحكام السلطانيّة ليست في عرض الأحكام الإلهيّة بل إنّها في طولها لأنّ الأحكام الإلهيّة أحكام كلّية وردت على موضوعات كلّية، و لكن الأحكام السلطانيّة أحكام جزئيّة إجرائيّة لأنّ إجراء الأحكام الكلّية الإلهيّة و تحقيقها في الخارج لا يكون إلّا بتأسيس الحكومة، فينفتح حينئذٍ باب الولاية، و يكون الوالي فيه شخص النبي ٦ و غيره من الأوصياء، و في زمن الغيبة الفقيه الجامع للشرائط، و وظيفة الوالي فيه تشخيص موارد الأحكام الكلّية الإلهيّة و تطبيقها على مصاديقها الجزئيّة الشخصية، فالأحكام السلطانيّة أحكام تصدر من جانبه في سبيل إجراء تلك الأحكام الإلهيّة الكلّية، و ذلك كالأحكام التي تصدر منه لنصب الولاة و امراء الجيوش و عمّال الصدقات و تهيئة العُدّة و العِدّة لدفع الأعداء و غيرها ممّا تختلف بحسب الأزمنة و الظروف، فالوالي يتوصّل بهذه الأحكام إلى إجراء أحكام اللَّه في أمر الجهاد و الزكوات و القضاء و غيرها من الأحكام الكلّية الإلهيّة.
و من الواضح أنّ إجراء حكم الجهاد مثلًا و تطبيقه في الخارج لا يتمّ بمجرّد الوعظ و الإرشاد، بل يحتاج إلى ولاية و حكومة، و أمر و نهي، و نصب أمير و تهيئة عِدّة و عُدّة، و برامج
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٤٨١- ٤٩٢، طبع جماعة المدرّسين.