أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٤ - نقد سائر الأقوال
قلنا: سلّمنا كون قاعدة لا ضرر من قبيل فرائض النبي ٦ التي فوّض أمر تشريعها إليه، و لكنّها ليست من الأحكام السلطانيّة أيضاً، لأنّ المفروض حينئذٍ أنّ النبي ٦ وضعها بما أنّه مفوّض إليه التشريع لا بما أنّه حاكم و مجرٍ للأحكام الإلهيّة الكلّية.
هذا مضافاً إلى أنّه قد قرّر في محلّه في مبحث ولاية الفقيه أنّ مقام التشريع الذي فوّض إلى الرسول ٦ كان على نحو جزئي و مختصّاً بموارد خاصّة معدودة، كما تشهد عليه شواهد عديدة، منها قوله ٦ في كثير من الموارد: «إنّي أنتظر الوحي» حيث إنّ انتظار الوحي و تعيين التكليف من ناحية الوحي ينافي التفويض الكلّي إليه كما لا يخفى.
و حينئذٍ لا بدّ لتعيين فرائض النبي ٦ و تمييزها عن غيرها إلى قرينة قطعيّة (نظير ما يقال في باب النسخ بأنّه بما أنّ موارد النسخ قليلة لا بدّ لتعيينها و تشخيصها من قرينة خاصّة) و إلّا يكون الظاهر من أوامره و نواهيه أنّه في مقام الحكاية عن أوامر اللَّه تعالى و نواهيه.
مضافاً إلى اختصاص هذا المقام بالنبي ٦ كما يدلّ عليه قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ». و قوله ٦ في رواية حجّة الوداع: «ما من شيء يقرّبكم إلى اللَّه إلّا و قد أمرتكم به و ما من شيء يبعّدكم عن اللَّه إلّا و قد نهيتكم عنه» و غيرها ممّا ورد في الباب الذي عقده في الوافي في أنّه ليس شيء ممّا يحتاج إليه الناس إلّا و قد جاء في كتاب أو سنّة [١]، التي تدلّ على عدم وجود فراغ قانوني كما مرّ آنفاً، حتّى أنّ الأئمّة المعصومين (صلوات اللَّه عليهم) إنّما كانوا وارثين للنبي ٦ و حاملين لعلومه كما وردت روايات متواترة من ناحيتهم تدلّ على أنّ كلّ ما يقولونه ينقلونه عن الرسول ٦، و لذا لم يصدر تشريع حكم منهم : في طيلة حياتهم [٢].
الجهة الثانية: في ما هو الظاهر من قضية سمرة ...
فنقول: الظاهر أنّ حكمه ٦ في قضيّة سمرة كان بعنوان فصل الخصومة و رفع التنازع في الحقوق و الأموال، و كان النزاع بينه و بين الأنصاري ناشئاً من الجهل بالحكم فإنّه يرى أنّ وجوب الاستئذان من الأنصاري تضييق في دائرة سلطنته، و لذا قال: أستأذن في طريقي إلى عذقي؟ بينما الأنصاري يرى أنّ له أن يلزم سمرة على الاستئذان، فشكاه إلى النبي ٦ لفصل الخصومة و النزاع بما أنّه ٦ قاضٍ منصوب من قبل اللَّه تعالى، نعم بعد قضاء الرسول ٦
[١] الوافي: ج ١، ص ٢٦٥، الطبع الجديد.
[٢] راجع جامع أحاديث الشيعة فإنّه عقد باباً أورد فيه أخباراً متواترة في هذا المعنى: (ج ١، الباب ٤، ص ١٢٦).