أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥٩ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
المرضيّة، فإنّه قد جرّد لسان التشنيع على الأصحاب و أسهب في ذلك أي إسهاب، و أكثر من التعصّبات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب، و هو و إن أصاب الصواب في جملة من المسائل التي ذكرها في ذلك الكتاب، إلّا أنّها لا تخرج عمّا ذكرنا من سائر الاختلافات و دخولها فيما ذكرنا من التوجيهات، و كان الأنسب بمثله حملهم على محامل السداد و الرشاد، إن لم يجد ما يدفع به عن كلامهم الفساد، فإنّهم (رضوان اللَّه عليهم) لم يألوا جهداً في إقامة الدين و إحياء سنّة سيّد المرسلين ٦، و لا سيّما آية اللَّه العلّامة (رحمه الله) الذي قد أكثر من الطعن عليه و الملامة، فإنّه بما ألزم به علماء الخصوم و المخالفين من الحجج القاطعة و البراهين حتّى آمن بسببه الجمّ الغفير، و دخل في هذا الدين الكبير و الصغير و الشريف و الحقير، و صنّف من الكتب المشتملة على غوامض التحقيقات و دقائق التدقيقات، حتّى أنّ من تأخّر عنه لم يلتقط إلّا من درر نثاره، و لم يغترف إلّا من زاخر بحاره، قد صار له من اليد العليا عليه و على غيره من علماء الفرقة الناجية ما يستحقّ به الثناء الجميل و مزيد التعظيم و التبجيل لا الذمّ و النسبة إلى تخريب الدين، كما اجترأ به قلمه عليه (رحمه الله) و على غيره من المجتهدين» [١] (انتهى).
و أمّا علم الفقه نفسه، أي ممارسة الفقه فقد يتوهّم أنّه لا معنى لكونه من مباني الاجتهاد من باب أنّه يكون غاية لغيره و ذا المقدّمة بالنسبة إلى سائره، و لكن قد مرّ كراراً أنّ ملكة الاجتهاد لا تتحقّق إلّا بالتمرين و الممارسة في الفقه كما في غالب العلوم، و هى تحصل أوّلًا: بتطبيق الاصول على الفروع، و ثانياً: بردّ الفروع إلى الاصول، فإذا سئل عنه مثلًا عن رجل صلّى الظهرين و هو يعلم إجمالًا بأنّه كان في أحدهما فاقداً للطهارة، فليعلم أنّه هل يجب عليه الاحتياط فيكون المورد من موارد تطبيق قاعدة الاحتياط، أو أنّه من موارد تطبيق قاعدة ٦٥٦٥ الفراغ؟ و أنّه هل يكون الترتيب بين الظهر و العصر ترتيباً واقعيّاً، أو لا؟ فيكفي إتيان صلاة رباعية بقصد ما في الذمّة، أو سئل عمن صار مستطيعاً و قد استُؤجر سابقاً لمناسك الحجّ فهل يبطل عقد الإجارة أو لا؟ من باب عدم كونه مستطيعاً شرعاً و الممنوع شرعاً كالممنوع عقلًا، و هكذا ... إلى سائر الفروعات و المسائل.
و أمّا علم المنطق، فقد يقع الشكّ في الحاجة إليه، لأنّ المقدار اللازم منه أمر فطري لكلّ
[١] الحدائق الناضرة: ج ١ ص ١٦٧- ١٧٠.