أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥٧ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
نعم هنا قسم من مباحث الاصول يقع النزاع فيه معنوياً، و قد حكى [١] صاحب الحدائق عن المحدّث الشيخ عبد الله البحراني صاحب كتاب منية الممارسين: أنّ موارد الاختلاف في هذا القسم تنتهى إلى ثلاثة و أربعين مسألة، و لكن الإنصاف أنّ هذا العدد ليس عدداً واقعياً، فإنّ كثيراً ممّا عدّه من موارد الاختلاف هى من شقوق دليل العقل، و تجمع تحت عنوان دليل العقل، و الصحيح أنّ العمدة من موارد النزاع بينهم هى امور ثلاثة:
أحدها: في عدد الأدلّة، فإنّها عند الاصوليين أربعة: الكتاب و السنّة و الإجماع و دليل العقل، بينما هى عند الأخباريين الأوّلان خاصّة، و لكن قد مرّ أنّ الإجماع الحجّة عند الاصوليين يرجع في الحقيقة إلى السنّة، فهو ليس دليلًا برأسه، و أمّا دليل العقل فالبديهيات العقليّة و هكذا العلوم العقليّة التي استمدّت قضاياها من الحسّ، كالرياضيات فهى حجّة عند الجميع، فتبقى النظريات غير المعتمدة على الحسّ، فالأخباريون ذهبوا إلى عدم حجّيتها لما ظهر من الخطأ في تاريخ العلوم في هذا القسم من المدركات العقليّة (و هو نفس ما استدلّ به المذاهب الحسّية و التجربية في الفلسفة الأوربية) و لذلك قالوا بعدم حجّية ما يدركه العقل في مثل مسألة مقدّمة الواجب و مسألة الترتّب و مسألة أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟ و مسألة اجتماع الأمر و النهي و غيرها من أشباهها.
ثانيها: أصالة البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة.
ثالثها: حجّية ظواهر كتاب اللَّه، فإنّ بعض الأخباريين ذهب إلى عدم حجّيتها إلّا بعد ضمّ تفسير الأئمّة المعصومين : إليها.
فقد ظهر أنّ موارد الاختلاف بينهم قليلة، و الإنصاف أنّ هذا المقدار من الخلاف أمر قهري طبيعي قد يكون بين الاصوليين أنفسهم أيضاً، فلا يوجب تشنيعاً و لا تكفيراً من جانب الأخباريين بالنسبة إلى الاصوليين أو بالعكس كما نبّه عنه المحدّث البحراني في المقدّمة الثانية عشرة، فالجدير بالمقام نقل كلامه في هذا المجال، و إليك نصّه في الحدائق: «و قد كنت في أوّل الأمر ممّن ينتصر لمذهب الأخباريين، و قد أكثرت البحث فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين، و أودعت كتابي الموسوم بالمسائل الشيرازية مقالة مبسوطة مشتملة
[١] الحدائق، ج ١، ص ١٧٠، المقدّمة الثانية عشرة.