أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥٦ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
إن قلت: لازم هذا البيان عدم صدق الاجتهاد و الاستنباط على اجتهاد زنديق يكون من فحول علماء علم الاصول (فرضاً) و عالماً في سائر مباني الاستنباط، و هو كما ترى.
قلنا: يعتبر في صدق الاجتهاد تحصيل العلم بالحجّة، و هو لا يحصل لمثل هذا المفروض، و بما أنّه فرض غير واقعي لا ينبغي البحث فيه أكثر من هذا.
و أمّا علم اصول الفقه، فلزومه و شدّة الحاجة إليه في الاستنباط من القضايا قياساتها معها، كما يلوح به تعريف علم الاصول بأنّه هو العلم بقواعد تقع في طريق الاستنباط.
إن قلت: فما دعوى الأخباريين في مقابل الاصوليين و عدّ بعضهم إيّاه من البدعة في الدين؟
قلنا: لا إشكال في أنّ قسماً من النزاع بين الطائفتين لفظي، لأنّ المحدّث الاسترابادي نفسه مثلًا محتاج أيضاً في إثبات الأحكام الشرعيّة إلى حجّية خبر الواحد و حجّية ظواهر الألفاظ، و إلى ملاحظة إمكان الجمع الدلالي، ثمّ العلاج السندي عند تعارض الأدلّة، و إلى الرجوع إلى الاصول العمليّة عند فقدان النصّ (و لو كان الأصل عنده خصوص أصالة الاحتياط) و لا يخفى أنّ هذه المسائل من أهمّ مسائل علم الاصول.
و يشهد عليه ملاحظة ما بحث عنه صاحب الحدائق (و هو من المحدّثين المعروفين) في مقدّمات الحدائق، و هى اثنتا عشرة مقدّمة في ١٧٠ صفحة، و من تلك المقدّمات حجّية خبر الواحد (و هو المقدّمة الثانية) و منها مدارك الأحكام الشرعيّة، و من جملتها حجّية ظواهر الكتاب و الإجماع و أصالة العدم و أصالة البراءة في الشبهات الوجوبيّة و مقدّمة الواجب، و مسألة أنّ الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضدّه أم لا؟ و قياس الأولوية، و قياس منصوص العلّة (و هذه كلّها هى المقدّمة الثالثة) و منها التعارض بين الأدلّة (و هو المقدّمة السادسة) و منها مسألة أنّ مدلول الأمر و النهي هل هو الوجوب و التحريم أو لا؟ (و هو المقدّمة السابعة) و منها ثبوت الحقيقة الشرعيّة و عدمه (المقدّمة الثامنة) و منها معنى المشتقّ (المقدّمة التاسعة) و منها حجّية دليل العقل و عدمها (المقدّمة العاشرة) و قد ذكر في المقدّمة الحادية عشرة جملة من القواعد الفقهيّة فراجع.
فلا ريب في أنّ البحث و النزاع بين الطائفتين في هذا القسم من الاصولي لفظي.