أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢٧ - التنبيه الأوّل الأحكام الوضعيّة
أوّلها: القول بأنّها ليست مجعولة مطلقاً لا تبعاً و لا مستقلًا.
ثانيها: أنّها مجعولة مستقلًا مطلقاً.
ثالثها: التفصيل بين العبادات و المعاملات و أنّهما مجعولان مستقلًا في العبادات دون المعاملات.
رابعها: الفرق بين الصحّة الواقعية فليست قابلة للجعل مستقلًا، و الصحّة الظاهرية فهى مجعولة مستقلًا.
و المختار أنّ للصحّة و الفساد معنيين، و إنّهما على كلا معنييهما أمران تكوينيان لا تنالهما يد الجعل مطلقاً:
أحدهما: ما مرّ في مبحث الصحيح و الأعمّ من أنّ الصحيح من الأشياء ما يكون مبدأً للآثار المرغوبة منها، و الفاسد ما ليس فيه تلك الآثار، و لا إشكال في أنّ كون شيء ذا أثر و عدمه أمر تكويني.
ثانيهما: مطابقة الأمر (في العبادات) أو مطابقة الحكم (في المعاملات) و عدمها، و لا ريب أيضاً أنّ التطابق أو عدم التطابق أمر واقعي تكويني، فلو كان العمل جامعاً للاجزاء و الشرائط فهو مطابق للمأمور به، و لو لم يكن جامعاً لها فهو مخالف للمأمور به، و لا يمكن أن يجعل و يعتبر ما ليس بمطابق خارجاً مطابقاً في الخارج، فإذا كان المأمور به ذا عشرة أجزاء، و المأتي به ذا تسعة، فلا شكّ أنّه لا يكون مطابقاً، و لا معنى لجعل التسعة عشرة.
فهما ليسا من الامور الاعتباريّة المجعولة مستقلًا، كما أنّهما ليسا منتزعين من التطابق و عدم التطابق، لأنّ الصحّة عين التطابق، كما أنّ الفساد عين التخالف.
إن قلت: هذا ليس صادقاً في مثل المريض الذي لا يكون قادراً على إتيان جميع الأجزاء و ليس عمله مطابقاً للواقع، مع أنّ الشارع حكم بصحّة عمله، و كذا الكلام في أمثاله من الأعذار.
قلنا: أنّ حكم الشارع بالصحّة في هذا الحال يرجع في الواقع إلى أنّه رفع يده عن وجوب بعض الاجزاء، فتكون الصّلاة مثلًا بالنسبة إلى المريض تسعة اجزاء لا عشرة (أو جعل لبعض الاجزاء أبدالًا كالإيماء بدل الركوع و السجود) فالصحّة حينئذٍ أيضاً بمعنى التطابق الواقعي، أي تطابق التسعة مع التسعة، لا تطابق التسعة مع العشرة بحكم الشارع.