أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢٨ - التنبيه الأوّل الأحكام الوضعيّة
هذا- و لكن المحقّق النائيني (رحمه الله) في بعض تقريراته [١] قد فصّل بين الصحّة الواقعية و الصحّة الظاهريّة، و قال بأنّ الصحّة الظاهرية قابلة للجعل بخلاف الصحّة الواقعية، نعم الموجود في تقريرات [٢] الدورة الاولى من درسه أنّ الصحّة الظاهرية أيضاً ليست قابلة للجعل مستقلًا، بل إنّها تنتزع من حكم الشارع بالإجزاء.
و لكن الإنصاف أنّ الصحّة الظاهرية و كذا الإجزاء غير قابلة للجعل لا استقلالًا و لا تبعاً فإنّ المولى لو صرّح بأنّ المأمور به هو العشرة حتّى في حال العذر أو الشكّ فكيف يصحّ له الحكم بالصحّة و الإجزاء (أي المطابقة للمأمور به و أدائه)؟ و هل هذا إلّا تناقض؟ و لو رفع يده عن بعض الاجزاء و الشرائط في هذا الحال فالتطابق حاصل بلا حاجة إلى أمر آخر.
٣- و منها الطهارة و النجاسة، و قد مرّ من شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) أنّهما أمران تكوينيان، و قال بعض بأنّهما من الامور المجعولة مستقلًا، و بعض آخر بأنّهما منتزعان من الحكم بجواز الصّلاة في الشيء الطاهر و عدم جوازها في النجس.
و الحقّ أنّ لهما أيضاً أقساماً مختلفة: فقسم منهما أمر تكويني كان موجوداً في العرف قبل الشرع كطهارة المطر و قذارة البول و الغائط، و أمضاهما الشارع المقدّس، و قسم ثانٍ منهما أمر تكويني أيضاً، و لكن لم يكن معروفاً واضحاً عند العرف، بل كشف عند الشارع كنجاسة عرق الجنب من الحرام على القول بها أو نجاسة بول الجلالة و غائطها، فهذان القسمان أمران تكوينيان أمضاهما الشارع و ليسا مجعولين مطلقاً، و قسم ثالث يكون ظاهرياً منشأه الطهارة أو النجاسة المعنوية كنجاسة الكافر التي منشأها كفر الكافر و نجاسته المعنوية، و لعلّ من هذا القسم نجاسة الخمر بل و على احتمالٍ نجاسة عرق الجنب من الحرام على القول بها. فهذا القسم أيضاً أمر تكويني معنوي.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ نجاسة الكافر تنتزع من حكم الشارع بالاجتناب عنه و عن سؤره، فتكون مجعولة بالتبع و من الامور الانتزاعية، و لكنّه خلاف ظواهر الأدلّة.
٤- و منها الرخصة و العزيمة، و قد يتوهّم إنّها من الأحكام الوضعيّة، لكن الصحيح عدم كونهما لا من الأحكام الوضعيّة نفسها و لا منتزعة عنها بل إنّهما مجرّد اسمين و اصطلاحين لأحد
[١] راجع أجود التقريرات: ج ٢، ص ٣٨٦، طبع مطبوعات ديني.
[٢] راجع فوائد الاصول: ج ٤، ص ٤٠٠، طبع جماعة المدرّسين.