أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢٤ - التنبيه الأوّل الأحكام الوضعيّة
ثمّ إنّهم يفرضون في عالم الذهن أمراً يشبه ذلك و يرون لزيد مثلًا سلطة على الدار الكذائية، كسلطته على أعضائه، و هكذا في الزوجية فيلاحظون زوجية مصراعي الباب في الخارج مثلًا، و يعتبرون مثلها للزوج و الزوجة إلى غير ذلك من أشباهها، فهى بجميعها كعكوس و مرايا لما في الخارج، و صور ذهنية تشابهها.
ثالثها: الوهميّات، و هى عبارة عن أوهام الناس و تخيّلاتهم التي لا قيمة لها عند العقلاء، و ليست مبدأً للآثار عندهم.
إذا عرفت هذه المقدّمات الثلاثة فاعلم أنّ الأقوال في حقيقة الأحكام الوضعيّة ثلاثة:
القول الأوّل: ما عبّر شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) عنه بما نصّه: «المشهور كما في شرح الزبدة بل الذي استقرّ عليه رأي المحقّقين كما في شرح الوافية للسيّد صدر الدين: إنّ الخطاب الوضعي مرجعه إلى الخطاب الشرعي، و أنّ كون الشيء سبباً لواجب هو الحكم بوجوب ذلك الواجب عند حصول ذلك الشيء، فمعنى قولنا إتلاف الصبي سبب لضمانه أنّه يجب عليه غرامة المثل أو القيمة إذا اجتمع فيه شرائط التكليف من البلوغ و العقل و اليسار و غيرها، فإذا خاطب الشارع البالغ العاقل الموسر بقوله: «أغرم ما أتلفته في حال صغرك» انتزع من هذا الخطاب معنى يعبّر عنه بسببيّة الإتلاف للضمان».
و حاصله: أنّ الأحكام الوضعيّة كلّها امور انتزاعية من الأحكام التكليفية، ليست لها جعل مستقلّ.
القول الثاني: ما هو على ألسنة جماعة (بتعبير الشيخ الأعظم (رحمه الله) و هو أنّ الأحكام الوضعيّة امور اعتباريّة قابلة للجعل مستقلًا، ففي قوله تعالى: «أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ» يكون للشارع جعلان: أحدهما وجوب الصّلاة، الثاني سببية الدلوك للوجوب.
القول الثالث: القول بالتفصيل بين الأحكام الوضعيّة، فقسم منها من الامور التكوينيّة، و ليس قابلًا للجعل أصلًا لا تبعاً و لا مستقلًا، و قسم آخر من الامور الاعتباريّة و قابل للجعل مستقلًا، و قسم ثالث من الامور الانتزاعيّة يتعلّق بها الجعل تبعاً.
و ينبغي هنا قبل بيان أدلّة الأقوال أن نشير إلى أنّ الامور الانتزاعيّة على ثلاثة أقسام باعتبار منشأ انتزاعها، فقسم منها ينتزع من مقام الذات، كسببيّة النار للاحتراق، و قسم آخر ينتزع من مقام الصفات، كتقدّم زيد على عمرو في المسير، فإنّ وصف التقدّم أو التأخّر ينتزع