أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢٢ - التنبيه الأوّل الأحكام الوضعيّة
و المعروف الجاري على ألسنة المحقّقين أنّ حقيقتها إنشاء البعث أو الزجر أو الترخيص الناشئ عن إرادة المولى أو كراهته أو ترخيصه في نفسه، و هذا ممّا يتّضح لنا بالرجوع إلى الوجدان.
و لكن ذهب بعض أعاظم العصر (قدّس اللَّه نفسه) إلى أنّ الحكم التكليفي اعتبار نفساني من المولى يبرز بالإنشاء، و قال: «هذا الاعتبار النفساني تارةً يكون بنحو الثبوت، أي المولى يثبت شيئاً في ذمّة العبد و يجعله دَيناً عليه، كما ورد في بعض الروايات أنّ دَين اللَّه أحقّ أن يقضى، فيعبّر عنه بالوجوب، لكون الوجوب بمعنى الثبوت، و اخرى يكون بنحو الحرمان، و إنّ المولى يحرم العبد عن شيء و يسدّ عليه سبيله، كما يقال في بعض المقامات: أنّ اللَّه تعالى يجعل لنا سبيلًا إلى الشيء الفلاني فيعبّر عنه بالحرمة، فإنّ الحرمة هو الحرمان عن الشيء، كما ورد أنّ الجنّة محرّمة على آكل الربا مثلًا فإنّ المراد منه المحروميّة عن الجنّة، لا الحرمة التكليفيّة، و ثالثة يكون بنحو الترخيص و هو الاباحة بالمعنى الأعمّ، فإنّه تارةً يكون الفعل راجحاً على الترك و اخرى بالعكس، و ثالثة لا رجحان لأحدهما على الآخر، و هذا الثالث هو الإباحة بالمعنى الأخصّ» [١].
أقول: يرد عليه أوّلًا: أنّه خلاف الوجدان، إذ إنّ الوجدان حاكم بأنّ البعث الإنشائي يكون كالبعث التكويني، فكما أنّ في الثاني لا يوضع على ذمّة الإنسان شيء بعنوان الدين، كذلك في الأوّل، فلا يعتبر المولى بقوله «افعل» دَيناً على عهدة العبد، بل أنّه مجرّد إنشاء بعث في نفسه، يحاذي البعث التكويني الخارج بدفع المكلّف بيده نحو العمل.
ثانياً: أنّ كلامه لا يجري في الاستحباب لأنّه لا معنى للدين الاستحبابي، مع أنّ الاستحباب يكون على وزان الوجوب، و الفرق بينهما من ناحية شدّة الطلب و البعث و ضعفه.
و من هنا يظهر أنّ ما ذكره من بعض الشواهد نظير ما ورد في بعض الروايات «إنّ دين اللَّه أحقّ أن يقضى» تعبيرات كنائية، و من باب تشبيه الحكم بالدَين، و القرينة عليه ما مرّ من قضاء الوجدان بما ذكرناه.
[١] مصباح الاصول: ج ٣، ص ٧٧- ٧٨، طبع مطبعة النجف.