أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥١٥ - الفصل الرابع في ترتيب المرجّحات
أصله و بين صدوره تقيّة، و هو على كلا التقديرين ممّا لا يعقل التعبّد به، و حينئذٍ كيف يقدّم الأرجح صدوراً إذا كان موافقاً للعامّة على غيره و إن كان مخالفاً للعامّة كما قال به الشيخ الأعظم (رحمه الله)؟ ثمّ قال: فاحتمال تقديم المرجّحات السندية على مخالفة العامّة مع نصّ الإمام ٧ على طرح موافقهم من العجائب و الغرائب التي لم يعهد صدورها من ذي مسكة فضلًا عمّن هو تالي العصمة علماً و عملًا، ثمّ قال: وليت شعري أنّ هذه الغفلة الواضحة كيف صدرت منه مع أنّه في جودة النظر يأتي بما يقرب من شقّ القمر.
و يمكن الجواب عنه أوّلًا: بأنّ الخبر الموافق للعامّة ليس دائراً بين احتمالين بل الاحتمالات فيه ثلاثة: عدم صدوره من أصله، و صدوره تقيّة، و صدوره لبيان حكم اللَّه الواقعي، و إنّما يدور أمره بين الاحتمالين الأوّلين إذا كان المعارض المخالف للعامّة قطعيّاً من جهاته الثلاث، أي من جهة السند و الدلالة و الجهة جميعاً، و أمّا إذا كان ظنّياً و لو من بعض الجهات كما هو المفروض (حيث إنّ البحث في المرجّحات الظنّية لا في تمييز الحجّة عن اللّاحجّة) فلا علم لنا بصدق المخالف بل نحتمل كذبه أيضاً، كما لا علم لنا ببطلان الموافق و عدم حجّيته على أي حال.
و كأنّ المحقّق الرشتي (رحمه الله) غفل عن هذه النكتة، أي أنّ البحث هو في المرجّحات الظنّية.
و ثانياً: أنّ ما ادّعاه صادق في العكس أيضاً، لأنّ الإمام ٧ قال في المرجّحات الصدورية: «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» و لازمه حصول العلم بعدم صدور غير المشهور.
و لقد أجاد المحقّق الخراساني (رحمه الله) حيث قال في ذيل كلامه هنا: أنّ الغفلة و النسيان كالطبيعة الثانويّة للإنسان.
فقد ظهر أنّ مقتضى القواعد الأوّلية عدم اعتبار الترتيب بين المرجّحات فلا بدّ من الرجوع إلى أقوى الدليلين و أظهرهما، و هو مختلف بحسب اختلاف المقامات، و لو لم يكن أحدهما أقوى أو أظهر سقطت المرجّحات فتصل النوبة إلى التخيير.
هذا كلّه بحسب القواعد.
و أمّا بحسب الأدلّة الخاصّة النقلية فالمهمّ فيها هو مقبولة عمر بن حنظلة المذكور فيها ثلاث مرجّحات: الشهرة، موافقة الكتاب و السنّة، و مخالفة العامّة (و أمّا مخالفة ميل الحكّام فقد مرّ أنّه يرجع إلى مخالفة العامّة، كما أنّ الترجيح بالأعدليّة و الأفقهيّة و الأوثقيّة الواردة في