أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥١٤ - الفصل الرابع في ترتيب المرجّحات
أمّا ما تقتضيه القواعد فحاصل كلام الشيخ الأعظم (رحمه الله) أنّ جهة الصدور متفرّعة على أصل الصدور، فإذا كان الخبران المتعارضان مقطوعي الصدور كما في المتواترين أو بحكم مقطوعي الصدور فتصل النوبة إلى المرجّح الجهتي، و أمّا إذا كانا متفاضلين من حيث الصدور فيجب التعبّد حينئذٍ بالراجح صدوراً، و لا تكاد تصل النوبة إلى المرجوع صدوراً كي يلاحظ رجحانه جهة.
و أورد عليه: بأنّه يستلزم اللغوية، لأنّ لازمه لزوم التعبّد بصدور الخبر المشهور الموافق للعامّة، و لا معنى للتعبّد بصدور الخبر مع وجوب حمله على التقيّة، إذ الحمل على التقيّة يساوق الطرح، و لا يعقل أن تكون نتيجة التعبّد بالصدور هى الطرح، فالحقّ أنّه لا ترتيب بين المرجّحات و أنّ الترجيح بجميعها يرجع إلى الصدور.
و لكن يمكن الجواب عنه: بأنّ معنى حجّية الخبر ليس التعبّد و العمل به، بل معناه هو التعبّد به لو لا المزاحم، و بعبارة اخرى: المراد من حجّية كلا الخبرين هو الحجّية الاقتضائية لا الحجّية الفعليّة، و هذا المعنى حاصل في المقام.
أقول: الحقّ هو ما اختاره المحقّق الخراساني (رحمه الله) من عدم الترتيب، و أنّ برهان الفرعيّة في كلام الشيخ الأعظم (رحمه الله) ليس بتامّ لأنّ المرجّحات الجهتيّة أو المضمونيّة و إن كانت متأخّرة عن المرجّحات الصدورية بحسب الوجود الخارجي (لأنّ جهة الصدور أو المضمون فرع لأصل الصدور و عارض عليه، و وجود المعروض سابق على وجود العارض) إلّا أنّه لا دخل له في ما هو المهم في المقام، فإنّ محلّ البحث في ما نحن فيه هو الحجّية بمعنى ترتيب الأثر العملي، و لا ريب في أنّ كلًا من الجهات الثلاثة شرط في الحجّية و العمل، و من أجزاء العلّة التامّة له في عرض واحد، و لا تقدّم لأحدها على غيره من هذه الجهة، أي من ناحية العمل كما لا يخفى. هذا أوّلًا.
و ثانياً: سلّمنا اعتبار الترتيب و لكنّه على مرحلتين لا ثلاث مراحل كما أشار إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) و قد مرّ آنفاً، فإنّ المرجّح المضموني يرجع إلى المرجّح الصدوري لأنّ الوفاق مع الكتاب دليل على الصدور، و المخالفة معه دليل على عدم الصدور و لو ظنّاً.
و أمّا القول الثالث: (و هو ما ذهب إليه المحقّق الوحيد البهبهاني (رحمه الله) فاستدلّ له المحقّق الرشتي (رحمه الله) بأنّ التعبّد بالدليل الموافق للعامّة مستحيل، لدوران أمره بين عدم صدوره من