أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢٣ - التنبيه الأوّل الأحكام الوضعيّة
بقي هنا شيء:
و هو أنّه قد يبدو أنّ الاباحة ليست حكماً من الأحكام، أي أنّها من قبيل «لا اقتضاء» و «لا حكم» فيكفي فيها عدم صدور بعث أو زجر من جانب المولى، وعليه تكون الأحكام أربعة فما اشتهر في الألسن من أنّ الأحكام خمسة، شهرة لا أصل لها.
و لكن عند الدقّة يمكن الفرق بين الأحكام الشخصيّة و القانونيّة، فإنّ المتداول بين العقلاء من أهل العرف جعل الترخيص في كثير من الموارد بعنوان قانون من القوانين، لأنّا إذا راجعنا إلى مجالس التقنين العقلائي نلاحظ أنّهم في كثير من الموارد ينشئون الجواز و الترخيص، كما ينشئون الوجوب أو الحرمة فينشئون مثلًا إنّ ورود البضاعة الفلانيّة مباح من هذا التاريخ، و ليس ذلك مجرّد دفع المنع السابق، بل إنّه إنشاء جديد و حكم وجودي في مقابل حكم وجودي سابق، لا فسخه و نسخه فقط.
ثالثها: في أنّ الوجود على قسمين: وجود خارجي و هو واضح، و وجود ذهني، و هو على قسمين أيضاً: ما يكون له ما بحذاء خارجي، و ما ليس له ما بحذاء خارجي، بل هو من مخترعات الذهن، و المخترعات الذهنيّة أيضاً على أقسام ثلاثة:
أحدها: الامور الانتزاعيّة، و هى ما يكون له منشأ انتزاع في الخارج، كسببية النار للاحتراق، فإنّ الذهن ينتزعها من مقايسة النار بالإحراق في الخارج قهراً، من دون دخل لإرادة الإنسان و اعتباره و جعله.
ثانيها: الاعتباريات، و ما ليس له منشأ انتزاع في الخارج، بل هو مجرّد اعتبار للعقلاء كالملكيّة التي لا يوجب اعتبارها أو عدم اعتبارها زيادة أو نقصاناً في الخارج، بل هى تابعة لاعتبار المعتبر و باقية ببقائه.
إن قلت: ما هى حقيقة الاعتبار؟
قلنا: أنّها عبارة عن سلسلة من الفروض و التشبيهات التي يترتّب عليها آثار عقلائيّة، لتوافقهم عليه، فهى فروض ذات آثار عقلائيّة، فإنّهم مثلًا يلاحظون الملكيّة التكوينيّة الخارجيّة التي أتمّها و أكملها مالكيّة ذات الباري تعالى لعالم الوجود (و هى نفس سلطته و إحاطته على العالم) و من مصاديقها مالكية الإنسان على أعضائه و صور ذهنه، و مالكيته على أفعاله بواسطة الأعضاء، فإنّ جميع ذلك سلطات تكوينية خارجيّة.