أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٠٧ - الأمر الأوّل في الجاهل المقصر
الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) و حاصله: أنّ الحكم بالصحّة هنا يكون من باب تعدّد المطلوب ففي مورد الجهر و الإخفات يكون أصل الصّلاة و ذاتها مطلوبة و إتيانها بالجهر أو الإخفات مطلوباً آخر، و في مورد الإتمام في موضع القصر تكون الصّلاة التامّة مشتملة على مصلحة لازمة الاستيفاء بحيث لو لم تجب صلاة القصر كانت الصّلاة التامّة مأموراً بها، لكن لمّا كانت مصلحة صلاة القصر أهمّ صارت هى الواجبة فعلًا، و حينئذٍ تكون صحّة الصّلاة المأتي بها مستندة إلى المصلحة لا إلى الأمر الفعلي حتّى يقال بأنّها ليست مأموراً بها، (و أمّا استحقاقه للعقوبة مع فرض الصحّة فلعصيانه الأمر بالأهمّ أو المطلوب الأعلى).
و أمّا عدم وجوب الإعادة فلأنّها لا فائدة فيها إذ لا مصلحة تقتضي الإعادة، حيث إنّ المصلحة التامّة الكامنة في صلاة القصر مثلًا قد فاتت بسبب الإتيان بالصلاة التامّة، لمكان التضادّ بين المصلحتين، و هذا نظير ما إذا أمر المولى عبده بإطعام الفقير بالخبز من الحنطة فأطعمه بالخبز من الشعير فإنّ مصلحة الإطعام بالخبز من الحنطة قد فاتت بإطعامه الخبز من الشعير، و يمتنع تداركها لعدم بقاء الموضوع.
لا يقال: فيلزم الحكم بصحّة صلاة التمام من العالم بوجوب القصر أيضاً مع استحقاقه العقوبة على مخالفة الواجب.
فإنّه يقال: إنّه لو كان الدليل اشتمال المأتي به على المصلحة اطلاق يشمل صورتي العلم بوجوب القصر و الجهل به لقلنا بصحّة التمام و إجزائه عن القصر مطلقاً، لكن الأمر ليس كذلك، لأنّه لم يدلّ دليل على كون التمام ذا مصلحة في السفر إلّا في حال الجهل، و لا بُعد أصلًا في هذا الاختلاف، فإنّ لحالات المكلّف دخلًا في المصالح و المفاسد الداعية إلى تشريع الأحكام.
إن قلت: كيف يتمشّى من المكلّف قصد القربة مع عدم كون التمام مأموراً به؟
قلنا: لا حاجة في تحقّق قصد القربة إلى قصد الأمر بل يكفي قصد الملاك و المصلحة، و قد مرّ كون الصّلاة التامّة أيضاً محبوبة و ذات مصلحة).
إن قلت: على هذا يكون كلّ من التمام و الإخفات مثلًا سبباً لتفويت الواجب الفعلي، و ما هو السبب لتفويت الواجب فعلًا حرام، و حرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام.
قلت: إنّ التمام مثلًا ليس سبباً لترك الواجب الفعلي و هو القصر، بل التمام و القصر ضدّان، و هما في رتبة واحدة، فعدم كلّ منهما يكون أيضاً في رتبة وجود الآخر لا في طوله حتّى يصير