فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٧٦
فما في المتن من الاحتياط في محلّه، إلاّ أن يقال: الظاهر التفصيل بين ماكان المقتول مقصّراً في أداء الدين من جهة الإفراط والتفريط، وبين ما لم يكن كذلك بعدم جواز القصاص أو العفو إلاّ مع ضمان الدين في الأوّل دون الثاني، وذلك لكون جواز القصاص أو العفو مقيّداً بما لم يكن فيه حرج وضرر ومشقّة وعذاب للمقتول، فإنّ أدلّة نفي الحرج والضرر كما تكون شاملة للدنيوي منهما فكذلك الاُخروي; قضاءً للإطلاق أو لإلغاء الخصوصيّة والأولويّة، حيث إنّ مقتضى مذاق الشرع عدم رضايته بكونه معذّباً لقصاص وليه دمه، فإنّ الدم دمه والقصاص إنّما يكون للورثة; لأنّهم ورثته، وإلاّ فالحقّ للمقتول أوّلاً وبالذاتهذا كلّه فيما كان المقتول مقصّراً في أداء الدين.
وأمّا فيما لم يكن مقصّراً في أداء الدين، فالقصاص من الوليّ ليس سبباً للضرر والحرج عليه في الآخرة بالعذاب بعدم أداء الدين; لعدم العذاب له بذلك، لما كان عليه مـن العسر وعدم القـدرة على الأداء، فالله تعالى ينظر لمعسر فـي الآخـرة كيف وأمـر عباده بالانظار للمعسر فـي الدنيا: (وَإنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)([١])، فلا مانع للوليّ مـن القصاص مع عـدم تقصير المقتول فـي الأداء كما لايخفى.
(مسألة ٢١): لو قتل واحد رجلين أو أكثر عمداً على التعاقب أو معاً قتل بهم، ولا سبيل لهم على ماله، فلو عفا أولياء بعض لا على مال، كان للباقين القصاص من دون ردّ شيء، وإن تراضى الأولياء مع الجاني بالدية فلكلّ منهم دية كاملة. فهل لكلّ واحد منهم الاستبداد بقتله من غير رضا الباقين أو لا، أو يجوز مع كون قتل الجميع معاً، وأمّا مع التعاقب فيقدّم حقّ السابق فالسابق، فلو قتل عشرة متعاقباً يقدّم حقّ وليّ الأوّل، فجاز له الاستبداد بقتله بلا إذن منهم، فلو عفا فالحقّ للمتأخّر منه وهكذا؟ وجوه، لعلّ أوجهها عدم جواز الاستبداد ولزوم الإذن من الجميع، لكن لو قتله ليس عليه إلاّ الإثم، وللحاكم تعزيره، ولا شيء عليه ولا على الجاني في ماله. ولو اختلفوا في الاستيفاء ولميمكن الاجتماع فيه فالمرجع القرعة، فإن استوفى أحدهم بالقرعة أو بلا قرعة سقط حقّ الباقين(٢٤).
[١] ـ البقرة (٢) : ٢٨٠ .