فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٣٠٥
وأمّا التبعيض فيما تكون الجملات مترابطة ارتباطاً دلالياً، كارتباط المطابقة مع الالتزام، واسم الإشارة مع المشار إليه فغير ثابت، بل خلافه ثابت من العقلاء، فإنّهم لا يتعبّدون بحجّيّة الجملة والحديث مثلاً في دلالتها الالتزاميّة دون المطابقة أو في الإشارة دون المشار إليه.
ففي مثل قوله في الخمر: (الفقّاع خمر، فلا يكون نجساً)، لايصحّ القول بحجيّة الخبر بالنسبة إلى نجاسة الفقاع دون الخمريّة أو العكس، كما لاشكّ في عدم بناء العقلاء على التبعّض في إعمال الترجيح في مورد التعارض في العامّين من وجه، كما لا يخفى.
ومـن المعلوم أنّ مسألة ديـة الخطأ، وأنّها على العاقلـة مـن اللوازم الواضحـة لها، وأنّ الخطـأ يُعرف بذلك اللازم قبل أن يُعـرف بعدم القـود، بل عـدم القود فيه واضح عقلاً وشرعاً، وغير محتاج إلى البيان، فالاختلاف فيـه فـي الروايتين مضرٌّ كما ذكره «المسالك»، فتدبّر جيّداً، وهذا كلّه في الوفاء بالوعـد الثاني.
والحقّ في المسألة كون الأعمى كالمبصر في توجّه القصاص عليه بعمده، وفاقاً لمن عرفت من المتأخّرين، وعدم المانع، والمخصّص لها.
وفي الخبرين ـ مع قطع النظر عمّا ذكره «الجواهر» في آخر كلامه من الإنصاف ـ احتمال كون الألف واللام للعهد، ففي خبر الحلبي إشارة إلى الأعمى الذي صار أعمى بضربة المقتول، وفي الثاني إلى الأعمى الذي فقأ عين رجل صحيحة متعمّداً. وعليه، فليس في شيء منهما تخصيص لعمومات القصاص مطلقاً; لعدم العمد ولا القتل بما يقتل به غالباً ممّا هو شرط في القصاص في الأوّل، وعدم المحلّ للقصاص في الثاني، بل ليس فيهما مخالفة لقواعد اُخرى أيضاً إلاّ في مورد خاصّ في الأوّل فقط.
بيان ذلك: أنّ تحقّق قصد القتل والعمد فيه لمن ضرب رأسه بمعوّل فسالت عيناه على خدّيه فوثب على ضاربه بعيدٌ جدّاً ثبوتاً، والعمد منه إحرازه إثباتاً، حيث إنّه لغضبه وسخطه بصيرورته بالضرب أعمى كأنّه ليس له قدرة الاختيار والتعمّد في القتل،