فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ١٦١
فإنّ الظاهر كون المراد من التقوى المأمور بها المنسوبة إلى ربّ الناس وإلى مدبّرهم ومربّيهم، بمناسبة ما في الآية; من أنّ الناس متّحدون في الحقيقة الإنسانيّة من غير اختلاف فيها بين الرجل منهم والمرأة، والصغير والكبير، والعاجز والقويّ ـ أي بمناسبة الحكم والموضوع ـ التقوى في عدم إجحاف الناس بعضهم على بعض كإجحاف الرجل بالمرأة، أو الكبير بالصغير، أو المولى بالعبد، أو القويّ بالضعيف، أو مثل غير بمثل غيرهم ممّن هو دونهم بأنظارهم الباطلة.
وهذا التقوى بعمومه من جهة حذف المتعلّق ظاهر في التقوى عن الإجحاف بكلّ شؤونه وأنواعه وأقسامه من الإجحاف في الاقتصاد والسياسة والتشريع والقانون والشخصيّة الاجتماعيّة وغيرها.
وبما أنّ الكتاب بلسان عربي مبين، فاللازم للناس تحرّزهم من القوانين التي تكون مجحفة بنظر العرف والعقلاء كما هو واضح، وإذا كان التحرّز لهم واجباً فالله تعالى أولى بالوجوب وسبحانه وتعالى عن الإجحاف في التشريع بالتبعيض في الحقوق الإنسانيّة والاجتماعيّة، فالآية ظاهرة بل كأنّها ناصّة في نفي الأحكام الإجحافيّة بنظر العرف في الإسلام، وأنّ أفراد البشر متساوية في الأحكام وإن لم تكن متشابهة، فإنّ المعتبر التساوي والعدل وعدم الإجحاف لا التشابه والتماثل; لعدم الوجه له عقلاً ولا شرعاً، فإنّ اللازم عقلاً وشرعاً العدل وعدم الإجحاف، سواء كان مع التشابه أو مع عدمه قطعاً.
فإرث الذكر وإن كان ضعفي إرث الاُنثى على ما نصّ به كتاب الله وعليه الضرورة وليس متشابهاً، لكنّه مع ذلك عدل وتساوي وليس فيه إجحاف ولا إشكال أصلاً، كما حقّقه العلاّمة الطباطبائي في «الميزان»([١]) في ذيل الآية.
[١] ـ الميزان في تفسير القرآن ٤ : ٢١٥ .