فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٣٣
ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرناه في قصاص النفس حال قصاص الأطراف، فإنّهما من واد واحد وإن قيل بشدّة الكراهة من دون الإذن في قصاص الأطراف; لاحتمال السراية وغيرها من الجهات المشدّدة للكراهة، والأمر سهل في أصل الكراهة فضلاً عن شدّتها.
ثمّ لايخفى أنّه لاخصوصيّـة للإمام أو الحاكـم أو الوالي الواقـع في العبائـر، بل المناط ثبوت القتل والحكم به بالقصاص; دفعـاً للاختلاف والتشاجـر والنزاع، كما كان ظاهرٌ من الأدلّة، فيكفي في ذلك حكم المحكمة والقاضي وإن لم يكن إماماً ووالياً ومجتهداً ونائباً عاماً عن الإمام٧، كمالايخفى، فلا خصوصيّة للإمام، كما أنّه لا خصوصيّة للحكم أيضاً، بل يكفي ثبوت القتل وإيجابـه القصاص عند القاضي وإن لم يحكم بعدُ; لعدم الدليل علىلزومه.
وكما أنّـه ليس للحاكـم الامتناع من الإذن; لأنّـه ليس من حقوقه، بل إذنـه مـن حقـوق ولـيّ الـدم ويكون لازماً عليه، دفعـاً للفتنـة والمفسـدة والمشاجـرة المحتملة.
بل قد عرفت أنّه ليس على الوليّ القصاص ولا الدية مع اقتصاصه من دون الإذن، فكيف للحاكم حقّ عدم الإذن؟
هذا تمام الكلام في النقض والإبرام في الأدلّة، لكن لقائل أن يقول: بعد اللتيا والتي القصاص متوقّف على الإذن وجوباً وتركه محرّم موجب للتعزير; وذلك لوجوب الاحتياط في الدماء، ووجوب حفظ النفس عن الهلاكة، وحفظ الأحكام الشرعيّة عن المنقصة. فإنّ القصاص من الوليّ من دون الإذن فيه احتمال الهلاكة بعدم قدرته على إثبات قتل القاتل على العمد، ومع عدم الإثبات يقتل قصاصاً. فالقصاص كذلك مناف مع الوجوبين الأولين، كما لايخفى.
كما أنّ الحكم بالجواز ونسبته إلى الشرع مستلزم لتنقيصه بأنّه كيف يأذن الشارع في قتل القاتل من دون الثبوت في المحكمة، مع أنّه بعد قتله قصاصاً لاقدرة له في الدفاع، فلعلّه إن كان حيّاً يدافع عن نفسه ويثبت عدم كونه قاتلاً أو عدم كونه عامداً.