فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٠٧
وأمّا حقوق الله تعالى فالحبس كذلك فيها حرام; لكونه منافياً لوجوب درئ الحدّ بالشبهة، ومخالفاً للسيرة المنقولة عن علي٧ في إجراء الحدود، ولكونه عقوبة بلا دليل. ولا يخفى أنّ حرمته في حقوق الله غير مختصّـة بالحـدود، بل يكون الحبس كذلك حراماً في التعزير منها; قضاء لجريان الدرئ في التعزير بالأولويّة، واشتراكه مع الحدود في كونه عقوبة بلا دليل، فتدبّر جيّداً.
إذا عرفت ذلك فنقول: مقتضى القاعدة حرمة الحبس الاستظهاري وعدم جوازه; لكونه ضرراً وإيذاءً وحرجاً على المنكر المتّهم وتدخّلاً في حدود سلطنته أوّلاً، ولتسلّط الناس على أنفسهم كتسلّطهم على أموالهم بل تسلّطهم عليها أولى من الأموال ثانياً، وعقوبة عليه بلا وجه ثالثاً، فكلّ واحد من الجهات الثلاثة كافية في حرمته فضلاً عن كلّها.
هذا مع أنّ مقتضى الاستصحاب أيضاً حرمة الاستظهاري، كما لا يخفى.
وبالجملة: حبس الأفراد من المحرّمات الواضحة، لكن إذا كان ذلك الحبس حفظاً لحقّ الغير واحتياطاً فيه; حذراً من فرار المتّهم مع انحصار الطريق به ففي حرمته تأمّل وإشكال، بل الظاهر جوازه مع أهمّية مورد الدعوى; وذلك قضاءً لقاعدة التزاحم، فكما أنّ الحبس من دون ثبوت سببه ـ كحبس المتّهم بإمساك المقتول مثلاً ـ حرام ومعصية وتركه واجب، فكذلك تضييع حقوق الناس للحاكم وعدم تحفّظه لها بالحبس الاستظهاري محرّم، وتركه المتوقّف عليه واجب ولازم، فالحكمان متزاحمان بالنسبة إلى الحاكم، فلابدّ عليه من رعاية قاعدة التزاحم من الترجيح بالأهمّية أو باحتمالها، ففي مثل حقّ القصاص ممّا يكون أهمّ من الحبس الاستظهاري يجوز للحاكم بل يجب عليه حبس المتّهم بالقتل مع انحصار طريق الاحتياط ومنعه من الفرار به كما هو المفروض.
ولا يخفى عليك أنّه كان الجواز هنا مربوطاً بقاعدة التزاحم، فمدّته أيضاً مربوطة بما يراه العقلاء وعلماء الاجتماع والحقوق الجزائيّة والمدنيّة والإنسانيّة، ممّا تكون كافية للحاكم عادة في حفظ حقوق الناس ورعاية الاحتياط لكشف الحقيقة في مثل القتل، ومن المعلوم أنّ ذلك يختلف باختلاف الموارد والأشخاص والأزمنة والأمكنة، ولما أنّ الضابطة والقاعدة في الأهمّ أو محتمل الأهمّية،