فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٢١
ولا خصوصيّـة عندالعرف في الإلزام بالقود والقصاص فإنّهم لا يفرّقون بينه وبين الإلـزام بالديـة، ولعلّ عدم ذكر الإلزام بها في الأدلّـة دون الإلزام بالقود كان مـن جهـة ظهور جـوازه ووضوحه، لامن جهة خصوصيّة فيه موجبة لعدم جـوازه، كيف وأنّـه مورد تسليم العقلاء قطعاً، بخلاف القود فإنّـه المحتاج إلـى الذكـر وإلى التبيين والتحقيق بمثل قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيـوةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبابِ)([١]); لعدم كونـه مرغـوباً ومسلّماً عند الكلّ، كما هـو الظاهـر لمـن رجع إلى العقلاء.
ولو عفا بشرط الدية صحّ على الأصحّ، ولو كان بنحو التعليق فإذا قبل سقط القود، ولو كان الشرط إعطاء الدية لميسقط القود إلاّ بإعطائه(٢)،
وممّا يؤيّد ذلك عدم اعتبار الرضى في العفو، فالأقوى بل الحقّ في المسألة ـوفاقاً للقديمين وخلافاً للمشهور وللمتن ـ التخيير للوليّ بين القود والدية.
وما في المتن من الفروع متفرّعة على مختاره ـ من عدم التخيير للوليّـ وتامّة عليه، كما هو واضح.
وأمّا على المختار فتختلف أحكامها مع ما في المتن، فلا تسقط الدية مع عفو الوليّ عن القود، بل له المطالبة بالدية; لكونها أحد شطري اختياره، كما أنّ للوليّ أخذ الدية وإن رضى الجاني ببذل نفسه; لأنّ اختيار التعيين منهما بيد الوليّ، وكما أنّ للجاني قبول الدية مع عفو الوليّ بشرط الدية وكما أنّ الدية تثبت من دون رضى الجاني، كذلك تثبت مع رضاه، والوجه في الكلّ ظاهر.
عفو القود بشرط الدية
(٢) لايخفى أن اعتبار الشرط أو الإعطاء فـي سقوط القود إنّما يكون علـى المشهور ومختار المتن ويكون من متفرّعاته، وإلاّ فعلى المختار الاختيار والسقوط بيد الوليّ لا برضى الجاني وشرطه. ثمّ إنّ الظاهر من التعبير بالأصحّ وجود الإشكال والمناقشة في التعليق والاشتراط في إنشاء العفو، ويكفي في وجه ذلك كلّه من المناقشة ومن وجه الأصحيّة عبارة «الجواهر»، ففيه في ذيل «الشرائع»: «فلو عفا الوليّ على مال لم يسقط القود ولم تثبت الدية إلاّ مع رضى الجاني»([٢]) بعدما له من سطري العبارة ما لفظه:
«إنّما الكلام في المراد من العفو على مال الذي اشتهر التعبير به، فإن كان المراد تعليق عفوه على الدية فلا ريب في بطلانه للتعليق وإن رضي الجاني بذلك، وإن اُريد به الشرطيّة الالزاميّة في صيغة إنشاء العفو ـ كما هو مقتضى قول المصنّف: «ولو عفا» ولم يشترط ـ فهو مبنيّ على لزوم الشرط في الايقاع مع رضى المشترط عليه، وهو لايخلو من بحث بل منع إلاّ في مثل الخلع ونحوه ممّا ثبت بالأدلّة، ولذا ذكر غير واحد أنّه على المختار لاتثبت الدية إلاّ صلحاً، بل يمكن في الفرض المزبور حصول العفو وعدم لزوم الشرط على الجاني وإن كان الأقوى خلافه، باعتبار اقتران قصد العافي بالمال ولو على جهة الشرطية الإلزاميّة، ولذا قلنا في العقود: إن بطل الشرط بطل العقد، فتأمّل جيّداً، فإنّ مبنى صحّة ذلك ولزومه على دعوى استفادته من الأدلّة وإن كان لم يحضرنا منها مايدلّ عليه بالخصوص.
نعم قد يقال: إنّ إطلاق النصوص صحّة العفو على مال ـ المنزّل على ما إذا رضي الجاني ـ يدلّ عليه، مؤيداً بإطلاق أدلّة العفو الشامل للفرض وغيره»([٣]).
هذا كلّه مع عـدم الدليل على مبطلية التعليق في العقود ولا الايقاع مـن رأس كما حقّق فـي محلّـه فـي مسألـة شرطيـة التنجيز فـي كتاب البيع فـي الكتب الفقهية.
ولايجـب على الجانـي إعطاء الديـة لخلاص نفسـه، وقيل: يجب لوجـوب حفظها(٣).
في وجوب بذل الدية على الجاني
(٣) مرّ ميل جماعة من الأصحاب إلى وجوب البذل على الجاني، وهو الأقوى; لوجوب حفظ النفس عليه المعلوم من العقل والنقل.
أمّا النقل، فأكثر من أن يحصى، وقد طفحت فتاواهم أنّه إذا اُريد قتله يجب عليه بذل ماله وتخليص نفسه، وقد قالوا في باب الدفاع عن المال والعرض:إنّه لا يجوز التغرير بالنفس إلى غير ذلك. وليس لك أن تقول هنا: القاتل كالمرتدّ، فكما أنّ الشارع أمره بإتلاف نفسه فكذلك القاتل كالمرتدّ; لأنّه لو كان كذلك لما صحّ الصلح على الدية ولا العفو. ولا أن تقول: إنّه جوّز له إتلاف نفسه كما في إعزاز الدين; لأنّ الجواز هنا محل النزاع.
[١] ـ البقرة (٢) : ١٧٩ .
[٢] ـ شرائع الإسلام ٤ : ١٠٠١ .
[٣] ـ جواهر الكلام ٤٢ : ٢٨١ .