فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٧٥
فإنّهما يدلاّن على الضمان في الهبة المخالف مع ما في الأوّل من جواز الهبة من دون ذكر الضمان.
وما عن أبيمنصور الطبرسي في كافيته([١]) من حمل الخبر الأوّل لأبيبصير على ما إذا بذل القاتل الدية، فإنّه يجب حينئذ قبولها، ولا يجوز للأولياء القصاص إلاّ بعد الضمان، فإن لم يبذلها جاز القود من غير ضمان.
ففيه: مع أنّه خرق للإجماع المركّب، أنّه لا فرق بين البذل وعدمه بالنسبة إلى عموم الأدلّة، وأنّ الحمل كذلك تبرّعي.
وفي خبر علي بن أبيحمزة، عن أبيالحسن موسى٧ قال: قلت له: جعلت فداك، رجل قتل رجلاً متعمّداً أو خطأً وعليه دين و(ليس له) مال، وأراد أولياؤه أن يهبوا دمه القاتل، قال: «إن وهبوا دمه ضمنوا ديته»، فقلت: إن هم أرادوا قتله، قال: «إن قتل عمداً قتل قاتله وأدّى عنه الإمام الدين من سهم الغارمين»، قلت: فإنّه قتل عمداً وصالح أولياؤه قاتله على الدية، فعلى من الدين؟ على أوليائه من الدية أو على إمام المسلمين؟ فقال: «بل يؤدّوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه، فإنّه أحقّ بديته من غيره»([٢]).
وهـذا الخبر موافق لخبر أبـيبصير الثاني فـي الضمان في الهبة ومخالف لخبره الأوّل فيها; لما مـرّ مـن دلالته على جواز الهبة مـن دون الضمان، لكنّه مخالف لهما في القود، لدلالته على جوازه وضمان الدين على الإمام يؤدّيه مـن سهم الغارمين.
وقد ظهر ممّا ذكرناه وبيّناه أنّ الحقّ بحسب الصناعة القول الأوّل في القود بل وفي الهبـة أيضـاً; لما عرفت مـن المحاذير فـي الأخبار وعدم خلوّ شيء منها مـن المحذور، وأنّ كلّها مشتركة في الضعف في السند، لكنّ مقتضى الجمع بين الحقوق الثاني، إلاّ أنّه دراية رفع اليد عنها مشكل، وتقييد الإطلاقات بها أشكل.
[١] ـ كتابه لم يصل إلينا لكن حكاه عنه العلاّمة في مختلف الشيعة ٥ : ٣٩٩ .
[٢] ـ وسائل الشيعة ٢٩: ١٢٣، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب٥٩، الحديث٢.