فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ١٢٧
وقد يناقش بأنّ ذلك لا يقتضي جواز قتله لنفسه المنهي عنه، فلا حكم لإكراهه المزبور، وحينئذ يكون المباشر أقوى من السبب. واحتمال الجواز باعتبار شدّة الأمر المتوعّد به مناف لإطلاق دليل المنع، وإلاّ لجاز للعالم بأنّه يموت عطشاً مثلاً أن يقتل نفسه بالأسهل من ذلك، فتأمّل جيّداً»([١]).
ولا يخفى أنّ إشكال «الشرائع» وجهه غير بيّن ولا مبيّن، وكيف يكون محلاً للإشكال مع عدم إشكاله تبعاً للمشهور في عدم الإكراه في القتل، وما في «الجواهر» وجه لعدم جريانه أيضاً لا بيان المنشأ للإشكال، اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّه ناش من عدمه في القتل مطلقاً; لإطلاق الدليل كقوله٧: «إذا بلغت التقيّة الدم فلا تقية»([٢])، ومن انصراف ذلك الدليل إلى قتل الغير، كما لا يخفى عليك أيضاً أنّه على المختار يجوز له قتل نفسه وإن لم يكن بين القتلين تفاوت أصلاً، فضلاً عمّا لو كان التخويف بنوع أصعب من النوع الذي قتل به نفسه كما في «المسالك» و«اللثام»، ولقد أجادا فيما ذكراه.
وما في «الجواهر» من منافاة احتمال الجواز باعتبار شدّة الأمر المتوعّد به مع إطلاق دليل المنع، ففيه: منع الإطلاق، فإنّ العمدة فيه قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أنْفُسَكُم إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ^ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً)([٣])، والتعليل في الأوّل تعليل للنهي، بمعنى أنّ نهيه تعالى وتحريمه إنّما هو لكونه (بِكُمْ رَحِيماً)، وقوله: (وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ...)إلى آخره تخصيص للحرمة بالعدوان والظلم، فالقاتل نفسه كان إقدامه دفعاً لقتله الأصعب وليس قتله ظلماً، مقتضاه عدم الحرمة والجواز في كلّ ما كان قتله نفسه أسهل من القتل والموت الحاصل من غير نفسه. فعليه يجوز للعالم المشرف على الموت عطشاً ـ مثلاً ـ أن يقتل نفسه بالأسهل من ذلك، ولعلّه أشار إلى ذلك بقوله: «فتأمّل جيّداً».
[١] ـ جواهر الكلام ٤٢ : ٥٤ .
[٢] ـ وسائل الشيعة ١٦ : ٢٣٥ ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الباب٣٢، الحديث ٢ .
[٣] ـ النساء (٤) : ٢٩ ـ ٣٠ .