فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ١٦٨
لا يقال: إنّ الأخبار غير مخالفة لشيء من آيات المسألة، فإنّها مطلقة والأخبار خاصّة ومقيّدة، فيلزم التقييد الذي يدور حوله رحَى السنّة في مقابلة الكتاب، بل السنّة ليست إلاّ لبيانه تقييداً أو تخصيصاً، والمخالفة الموجبة لعدم الحجيّة هي المخالفة بالتباين لا بالعموم والخصوص مطلقاً. وبالجملة الآيات ليست بأزيد من المطلقات، والأخبار ليست بأزيد من المقيّدات، فأين المخالفة والمباينة حتّى ينتج عدم الحجيّة؟!
لأنّه يقال: لسان الإطلاقات فيها آبية عن التقييد والاستثناء، فالأخبار مباينة معها كما لا يخفى، فهل يصحّ أن يقال: (وَمَا رَبُّكَ بِظَـلاّم لِلْعَبيِدِ)([١]) إلاّ الظلم في قصاص الرجل بالمرأة مثلاً؟ إنّ الذهاب إلى التقييد والاستثناء كذلك يرجع إلى أنّه سبحانه وتعالى ظالم في هذا الحكم.
أو يقال: (إنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ)([٢]) إلاّ الحكم في هذه المسألة، فإنّه تعالى شأنه حكم فيها بغير الحقّ أو بغير العدل أو بأمثالهما تقييداً واستثناءً من تلك الآيات، وهل لايكون هذا إلاّ قبيحاً في حقّه تعالى ونسبة الظلم وخلاف الحقّ والعدل إليه، وافتراءً على المعصومين: وإيراد الظلم عليهم بنسبة تلك الأمور إليهم؟!
وإباء اللسان عن التقييد والاستثناء والتخصيص في مثل المورد، ليس إلاّ من جهة كون تلك الاُمور راجعة في نظر العرف وفهمهم العرفي ـ الذي هو الطريق الوحيد في حجيّة ظواهر الكتاب والسنّة: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)([٣])، و(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ ^ بلِسَان عَرَبِيٍّ مُبِين)([٤]) ـ إلى انتساب شيء([٥])
[١] ـ فصّلت (٤١) : ٤٦ .
[٢] ـ الانعام (٦) : ٥٧ .
[٣] ـ إبراهيم (١٤) : ٤ .
[٤] ـ الشعراء (٢٦) : ١٩٣ ـ ١٩٤ .
[٥] ـ «إلى انتساب شيء» الجار والمجرور متعلّق بقوله : «راجعة» .