فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٢٠
وأمّا الصحيح: فدلالته على عدم التخيير للوليّ في أخذ الدية إنّما يكون لاشتراط أخـذه بحبّ القائل بأداء الديـة، وهـذا مناف مـع التخيير للوليّ، ففيـه: «فإنّ رضوا بالديـة وأحبّ ذلك القاتل فالدية اثنا عشـر ألفاً»([١]) فمع عـدم حبّـه ليس لهم الأخذ بالدية، إلاّ أنّ الذي يشكل الاستدلال به كون القيد وارداً مورد الغالب أوّلاً فلا قيديّة ولا اشتراط فيه، فإنّ الغالب رضى القاتل بالديـة حفظاً لنفسه من القود.
وإن أبيت عن ذلك وجمدت على تقيّيدية فنقول: إنّه متروك الظاهر; لعدم الاعتبار بالحبّ الزائد عن الرضاية على القول بعدم التخيير، وبأنّه لابدّ من كون أخذ الدية برضايتهما، فإنّ المدار على القول به أصل القبول والرضى بالمعارضة بالدية وإن كان على كراهية، كما هوالأمر فيالرضىالمعتبر فيالعقود والمعاملات، فإنّ المعتبر الرضى بالمعاملة والتجارة وإن كان الرضى ناشئاً من الاضطرار واللابديّة والاحتياج لا عن طيب النفس، بل ولقائل أن يقول: وممّا يرشد إلى خروجه مخرج الغالب التعبير بالمحبّة، كما هو واضح، وإلاّ لقال: «وأجاب» أو «قبل»، على أنّه لو قال أحد هذين لقلنا: خرج مخرج الغالب كما مر.
وإن أبيت عن ذلك أيضاً قلنا: المفهوم أنّه إذا رضي ولم يحبّ لم تكن الدية إلفاً([٢])، بل يرفع إلى الحاكم ليلزمه بذلك، فتأمّل هذا، وقد ظهر ممّا ذكرناه كلّه عدم الدليل المعتبر لشيء من القولين.
والتحقيق القابل للتصديق هو التخيير; قضاءً لإلغاء الخصوصيّة والأولويّة القطعيّة العرفيّة، وذلك لأولويّة جواز الإلزام بالدية على القاتل من جواز إلزامه بالقود، فإذا جاز للوليّ القصاص وقتل القاتل وأخذ دمه ونفسه إلزاماً عليه ومن دون اعتبار رضىً منه بذلك، فجاز له بالأولويّة القطعيّة عند العرف إلزام الوليّ الدية عليه، وأنّه يجب عليه القبول وإن لم يكن راضياً به; لأنّ الإلـزام بأخـذ المال والدية أهون بمراتب من أخذ النفس والدم وقتله،
[١] ـ وسائل الشيعة ٢٩: ١٩٦ ، كتاب الديات ، أبواب ديات النفس ، الباب ١ ، الحديث ٩ .
[٢] ـ إلْفاً : بكسر الألف على وزن عِلْم بمعنى المحبّة والاُلفة .