فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٣٦٢
ثالثها: أنّ قول عدّة من الأنصار المصاحبين لرسول الله وإخبارهم بقتل رجل من الأنصار بنفسه موجب الاطمئنان.
رابعها: ما في رضى النبي٦ بعدم حلف اليهود وقسامتهم لعدم رضى الأنصار به، مع علمهم بأنّهم كفّار وبأنّه لا أحد يصدّق اليهود، وبغير ذلك من أمثال تلك التوجيهات، فإنّه لو لم يكن قولهم موجباً لاطمئنان النبي٦ بصدق الأنصار وكذب اليهود لم يصحّ للنبي٦ الرضى بترك حلفهم، حيث إنّه على فرض الظنّ بكذبهم يصحّ منهم الحلف، فإنّ الحلف حقّ لهم، ورافع للتهمة عنهم، وإنّما لايصحّ حلفهم مع اطمئنان الحاكم والنبي٦ بكذبهم.
خامسها: مقتضى التعليل الواقع في أخبار القسامة من أنّها «جعلت نجاة للناس» وأنّها «حوط يحاط به الناس» وأنّه «لولاها لقتل الناس بعضهم بعضاً» وأنّه «جعل اليمين في الدم للمدّعي لئلاّ يبطل دم امرء مسلم»، فإنّ الحاصل من مجموعها أنّ العلّة حفظ الأنفس والدماء، ومن المعلوم أنّ القول بكفاية مطلق الظنّ معارض ومخالف لتلك العلّة لاستلزامه هدر الدماء بقسامة الأفراد الفاسقين والمجهولين في مورد مطلق الظنّ الذي حصوله سهل.
وهذا بخلاف الاطمئنان، فإنّ حصوله وتحقّقه للحاكم مشكل; لاحتياجه إلى أمارات مفيدة له بحسب العادة. ثمّ إنّه مع حصوله كذلك لابدّ للحاكم من الحكم، وليس حكمه موجباً للهدر; لأنّ الحكم كذلك عقلائي، والشارع شرّع القسامة معه احتياطاً في الدماء.
وبالجملة: بعد ما لم يكن اللوث ولا الظنّ مورداً للنصّ، وإنّما الموجود في النصوص عدّة من الأمارات في غير واحد منها، وبعدما كانت القسامة على خلاف القواعد فلابدّ من الاقتصار على المتيقّن، وهو الظنّ الاطمئناني المتاخم للعلم، وهـو المراد من اللوث أيضاً كما لايخفى; قضاءً للأصل المؤيّد والمعتضد بما مرّ من الوجوه الأربعة، وبالاعتبار العقلائي حيث إنّهم يعتبرون القسامة كذلك،