فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ١٦٧
قتل حرٍّ غير قاتل بعبد مقتول لما كانوا يرون لعبدهم قيمة وشخصية لا يقابلها إلاّ الحرّ من طائفة القاتل، أو قصاص عبد غير قاتل بحرٍّ مقتول لما كانوا يرون للحرّ المقتول نقيصة في الشخصيّة الطائفيّة والاجتماعيّة، وكذلك الأمر في (الأُنْثَى بالأُنْثَى).
ويشهد لذلك ما في شأن نزوله في «زبدة البيان»: «وأمّا سبب النزول، فالظاهر منه أنّ المقصود نفي تفاضل إحدى الحيّين على الآخر كما كان مرادهم، والمفهوم من قولهم: (كان لأحدهما طول)، ومن قولهم: (لنقتلنّ الحرّ منكم بعبد منّا)، وكذا (من الذكر بالأنثى)، وقولهم: (والاثنين بواحد) كما نقله في «الكشّاف» بعد قوله: (بِالاُْنثَى)، وقال في «مجمع البيان»([١]): وأقسموا لنقتلنّ بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا الرجل منهم، وبالرجل منّا الرجلين منهم»([٢]).
وبالجملة: إنّ الموضوع في آية البقرة هو القصاص والردّ بالمثل، ومن المعلوم عدم التفاوت بين العبد والحرّ والرجل والمرأة في أصل المنزلة الإنسانيّة والحياة الإنسانيّة والشخصيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والقوميّة، فإنّ بني آدم كلّهم من تراب ولهم أب واحد واُمٌّ واحدة.
ومنها: قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَـوةٌ يَا أُولِي الاَْلْبَابِ لَعلَّكُمْ تَتَّقُونَ)([٣])فإنّ القصاص هو الردّ بالمثل كما مرّ بيانه، والردّ بالمثل في قتل الرجل المرأة قتله بلا ردّ شيء إلى أهله كعكسه، فردّ النصف من جانب أولياء المرأة زائدٌ عن المقابلة وخارجٌ عن قصاص القاتل بالمقتول، وهو موجب للظلم على المقتولة، فتصير المرأة ـ على هذا ـ خارجةً ومستثناة من عموم حكم القصاص الذي فيه الحياة، وأيّ قصاص مع أنّ المقابلة بالمثل في المسألة وغيرها يتحقّق بقتل القاتل، فإنّ النفس بالنفس، لا بالنفس مع ردّ نصف الدية؟!
[١] ـ مجمع البيان ٢ : ٢٦٥ .
[٢] ـ زبدة البيان : ٦٧١ .
[٣] ـ البقرة (٢) : ١٧٩ .