فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٧٢
وفيه: الأصل والاحتياط لا محلّ لهما مع الدليل ولو على الوفاق، فضلاً عن الخلاف، فهما ليسا بدليل اصطلاحي قابل للمعارضة مع الدليل المخالف، كما هو أوضح من أن يُبيّن.
وأمّا حديث رفع القلم، فمضافاً إلى عدم كونه بأزيد من عموم قابل للتخصيص، أنّه قد مرّ في الاستدلال به لشرطيّة العقل عدم كون القصاص مرفوعاً به بما هو هو; لعدم كونه وضعاً على القاتل أوّلاً، واحتمال اختصاصه بالتكليفيّات ثانياً، بل غاية الأمر في الاستدلال به إنّما هو القول برفعه باعتبار رفع الحرمة، وقد بدا لي الآن في الاستدلال به كذلك للمقام نظراً وإشكالاً، حيث إنّ الحديث بما هو حديث امتنان لا يناسبه رفع التكليف والنهي في المحرّمات والمعاصي التي فيها مفاسدٌ عن الصبي، وجعلها له مباحةً.
وهذا بخلاف التكاليف الواجبة، فرفع التكليف فيها رفع مستلزم لعدم وجوب جلب المصلحة، وذلك بخلاف رفع الحرمة، حيث إنّه إذنٌ وإجازةٌ في جلب المفسدة، وهو كما ترى غير مناسب في مقام التشريع من الحكيم الرؤوف اللطيف بعباده المحرّم للمحرمات; ردعاً للناس عن الوقوع في المفاسد ونجاة لهم عن المهالك والخسران والخذلان في الدنيا والآخرة، ومع أنّ الأحكام الشرعيّة ألطاف في الأحكام العقلية، فضلاً عن مقام الامتنان فيه.
نعم، شمول حديث الرفع لرفع قلم الحرمة عن المجنون أو الصبي غير المدرك قضاءً لإطلاقه لا بأس به، ولا يتنافى مع الامتنان; لعدم كون الحرمة بالنسبة إليهما زاجراً ومانعاً عن إرتكاب الحرام ودفع المفسدة; لعدم التفاتهم وإدراكهم الحرمة والمفاسد المترتّبة عليها، والعواقب اللازمة لها، كما لا يخفى.
هذا مع ما في أخبار البلوغ من اشتراط الحدود التامّة به لا أصل الحدود، وكذلك ما في مثل أخبار([١]) سرقة الصبي من حَكّ أنامله وإدمائه وقطعه من التأييد; لاختصاص الرفع بالواجبات وعدم شموله للمحرّمات، كما لايخفى، فراجعها.
[١] ـ وسائل الشيعة ٢٨ : ٢٩٣ ، كتاب الحدود والتعزيرات ، أبواب حدّ السرقة ، الباب ٢٨ .