فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ١٩٦
وتوهُّم أنّه بعدما كانت الدية في المرأة فيما زادت على الثلث راجعة إلى النصف وكان الحكم في قصاص الأطراف مبنيّاً عليه، فالأخبار الدالّة على لزوم الردّ حاكمة على آيات القصاص في الجروح والحرمات والاعتداء والردّ بالمثل، حيث إنّ قطع عضو الرجل بعضو المرأة فيما زادت ديته عن الثلث بلا ردّ الدية ليس مماثلاً وقصاصاً لعضو الرجل في مقابل عضو المرأة، بل يكون ناقصاً عنه، بل من ذلك يظهر عدم مخالفة الأخبار لآيات العدل والحقّ ونفي الظلم عن الربّ كما لا يخفى.
وبالجملة: الباب باب الحكومة وباب بيان الموضوع وتفسيره، فالاستدلال بأخبار المسألة تامّ.
مدفوع: أوّلاً: بعدم كون لسانها لسان التفسير وبيان الموضوع، بل لسانها لسان بيان الحكم والتشريع كما هو الظاهر، والحكومة دائرة مدار اللسان كما هو أوضح من أن يحتاج إلى البيان. وثانياً: بأنّ ذلك المبنى غير تامٍّ في نفسه وباطل من رأس، كما سيأتي بيانه.
ثالثها: التهافت في أخبار المسألة، حيث إنّ اللازم من ردّ نصف الدية في قصاص الحرّ بأعضاء الحرّة فيما تزيد ديته عن الثلث إلى الحرّ، أخذ نصفه منها في العكس أيضاً، أي في قصاص الحرّة بالحرّ فيما تزيد عن الثلث، لئلاّ يلزم الهدر في نصف العضو المقطوع منه كما لايخفى، حيث إنّه يعلم من لزوم الردّ في الأصل عدم جبران خسارة العضو بالقطع فقط، بل جبرانه به مع ردّ الزائد، ففي عكسه عدم لزوم الردّ مستلزم للهدر وعدم الجبران بالنسبة إلى النصف من العضو الزائد ديته عن الثلث. فما في الأخبار والفتاوى من اللزوم في الأصل وعدمه في العكس، ففيه تهافت وتناقض واضح دلالة بين المطابقة منهما مع الالتزامية لهما، وفي ذلك التهافت شهادة وحجّة على عدم الحجيّة.
رابعها: أنّ المستفاد من النصوص والفتاوى كون الحكم بردّ التفاوت في المسألة ـ أي مسألة العمد في الجرح ـ مبنيّ على رجوع دية جرح المرأة إلى النصف في الزائد عن الثلث في باب دية الجروح، فتمامية أخبار المسألة منوطة بتمامية ذلك المبنى، وبما أنّ المبنى غير تامّ على ما نبيّنه، فالاستدلال بها غير تامّ من تلك الجهة أيضاً.
البحث حول دية أعضاء المرأة بما هي دية
فعلى ذلك لابدّ من البحث في دية أعضاء المرأة بما هي ديةٌ ومأخوذٌ في شبه العمد والخطأ والعمد الذي ليس فيه القصاص، فأقول مستعيناً بالله تعالى:
إنّ الأصل قضاءً لإطلاق الأخبار الكثيرة المبيّنة لمقدار ديات الأطراف والأعضاء أو المنافع أو في غيرها، عدم الفرق بين الرجل والمرأة، وأنّ الدية فيهما واحدة مطلقاً، فليس في واحد منها ـ على كثرتها وكونها في مقام البيان بل وفي مقام الحاجة ـ أثر وإشارة إلى الفرق أصلاً، بل ذكر الوصف المذكر وجعله موضوعاً شامل للمذكّر وللمؤنث أيضاً، من جهة إلغاء الخصوصية العرفيّة كما في بقيّة الأحكام والأخبار، فذكر الوصف كذلك من باب المتعارف والغلبة من دون الخصوصية، فإنّ مناط الحكم بنظر العرف والعقلاء هو العنوان والجهة المذكورة في الأخبار وفي أدلّة الحكم، كما يظهر للمراجع والعارف بلسان الأخبار والآيات.
وفي «الجواهر» في آخر البحث عن حرمة النساء على المُحرم وطياً وتقبيلاً وعقداً وغيرها من الاُمور ذات الصلة بهنّ قال: «والظاهر ثبوت الأحكام المزبورة للمرأة المحرمة كالرجل، ضرورة عدم كونه من خواصّ الرجل، بل لايبعد إرادة الجنس من المحرم في نحو قوله٦: «لاينكح ولا ينكح»، قال في «المنتهى»([١]): لا يجوز للمحرم أن يزوّج ولا يتزوّج ولا يكون ولياً في النكاح ولا وكيلاً فيه، سواء كان رجلاً أو امرأة، ذهب إليه علماؤنا أجمع. إلى أن قال: أمّا غيره فالعمدة فيه الإجماع المزبور،
[١] ـ منتهى المطلب ٢ : ٨٠٨ .