فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ١٤٨
وكيف كان، الصحيح قاصر عن المعارضة; لشهرة تلك الأخبار عملاً ولكثرتها وأصحيّة سندها ومخالفتها مع العامّة، نعم ما في «الجواهر» من الحمل على الندب غير تامّ; لما في الصحيح من التعليل والاستدلال بالآية حيث إنّ الإسراف في القتل منهيٌّ ومحرّم بلا إشكال، كما أنّ ما في «الوسائل» من الحمل على الكراهة، بل الحمل على التقيّة أيضاً غير وجيه حيث إنّ التقيّة اضطرار وضرورة، والضرورة تتقدّر بقدرها، والضرورة والاضطرار مرتفعان ببيان أصل الحكم وبالنهي عن قتل الزائد، فالاستدلال بالآية زائد غير مضطرٍّ إليه وغير مناسب مع التقيّة كما لا يخفى.
وترجيح الصحيح على تلك الأخبار; لموافقته مع الكتاب المستدلّ به في الصحيح، حيث إنّ قتل الزائد عن الواحد إسراف، منهيّ عنه، غير تامّ، للشكّ في صدق الإسراف مع ردّ الزائد عن دية الواحد.
وتوهّم أنّ الاستدلال في الصحيح بالآية كاف في الموافقة.
مدفوع: بأنّ معارضة الصحيح كما يكون معارضاً مع بقيّة الأخبار في أصل مضمونه، فكذلك في استدلاله وتفسيره، فتدبّر جيّداً.
(مسألة ٤٥): تتحقّق الشركة في القتل; بأن يفعل كلّ منهم ما يقتل لو انفرد، كأن أخذوه جميعاً فألقوه في النار أو البحر أو من شاهق، أو جرحوه بجراحات كلّ واحدة منها قاتلة لو انفردت. وكذا تتحقّق بما يكون له الشركة في السراية مع قصد الجناية، فلو اجتمع عليه عدّة، فجرحه كلّ واحد بما لا يقتل منفرداً، لكن سرت الجميع فمات، فعليهم القود بنحو ما مرّ(٦٩).
فيما تتحقّق به الشركة في القتل
(٦٩) ما في المسألة من الصور الثلاث كلّها مشتركة في تحقّق الشركة في القتل وفي نسبة القتل إليهم، ولكن في الاُولى والثانية تكون الشركة على نحو المباشرة، وفي الثالثة على نحو السببيّة، إذ فعل كلٍّ منهم سبب للقتل من حيث السراية عن جرح الجميع، فلو لم يكن من أحدهم جرح لم يتحقّق الموت، ولم تكن سراية البقيّة موجبة لقتله كما هو المفروض.
مسألة: لو اتّفق جمع على واحد وضربه كلّ واحد سوطاً فمات وجب القصاص على الجميع بلا فرق بين ضارب السوط الأوّل وضارب الأخير; لاستواء الكلّ في سببيّة الموت، إذ كما أنّه لو اكتفى الأوّل لم يمت فلو لم يكن الأوّل لم يمت بالأخير.
وعن العامّة قول بأنّه لا قصاص، وآخر إذا وقع منهم اتّفاقاً دون ما إذا تواطؤوا عليه، وهما معاً كما ترى.
نعم،
قد يُشكّ في ثبوت القصاص على الجميع لو فرض ترتّب الأسواط، وكان موته من
السوط الأخير، بل ينبغي الجزم بعدمه لو فرض كونه على وجه
ولا
يعتبر التساوي في عدد الجناية، فلو ضربه أحدهم ضربة والآخر ضربات والثالث
أكثر وهكذا، فمات بالجميع، فالقصاص عليهم بالسواء، والدية عليهم
سواء. وكذا لايعتبر التساوي في جنس الجناية، فلو جرحه أحدهما جائفة
والآخر موضحة مثلاً، أو جرحه أحدهما وضربه الآخر، يقتصّ منهما
سواء، والدية عليهما كذلك بعد كون السراية من فعلهما(٧٠).
(مسألة ٤٦): لو اشترك اثنان أو جماعة في الجناية على الأطراف، يقتصّ منهم كما يقتصّ في النفس، فلو اجتمع رجلان على قطع يد رجل، فإن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد يقتسمانها ثمّ يقطعهما، وإن أحبّ أخذ منهما دية يد، وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لميقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية، وعلى هذا القياس اشتراك الجماعة(٧١).
يسند إليه الموت نحو إسناده في الجرح الذي يحصل به الموت دون سرايته للمجروح سابقاً، وبالجملة المدار على صدق الاشتراك والاتّحاد.