اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٩٩ - نقد كلام صاحب الكفاية
الشوق إلى ثوابه ورضوانه، أو رسخت في نفسه عظمة المولى وجلاله وكبرياؤه، فصار مقهوراً في جنب عظمته، وباعتبار هذه الملكة القلبيّة صار مطيعاً لأوامر مولاه.
وبالجملة: ما يصير داعياً للعبد ومحرّكاً إيّاه نحو طاعة المولى هو إحدى هذه الملكات الخمس النفسانيّة وغيرها من الملكات الراسخة.
وعلى هذا فما اشتهر من تسمية الأمر الصادر عن المولى داعياً فاسد جدّاً، ضرورة أنّ صرف الأمر لا يصير داعياً ومحرّكاً للعبد ما لم يوجد في نفسه أحد الدواعي الخمسة المذكورة، أو غيرها من الدواعي القلبيّة المقتضية للإطاعة، كما يشاهد ذلك في الكفّار والعصاة.
نعم، هنا شيء آخر، وهو أنّه بعد أن ثبتت للعبد إحدى الملكات القلبيّة المقتضية لإطاعة المولى، وصار نفسه- باعتبار ذلك- منتظراً لصدور الأمر عن المولى، حتّى يوافقه ويمتثله، يكون لصدور الأمر عن المولى أيضاً دخالة في تحقّق الإطاعة والموافقة، فإنّه المحقّق لموضوع الطاعة ويصير بمنزلة الصغرى لتلك الكبريات.
فالداعي حالة بسيطة موجودة في النفس مقتضية للإطاعة بنحو الإجمال، والأمر محقّق لموضوعها وموجب لتحريك الداعي القلبي وتأثيره في تحقّق متعلّقه، وما هو الملاك في عباديّة العمل ومقرّبيّته إلى ساحة المولى هو صدوره عن إحدى هذه الدواعي والملكات الحسنة، وليس للأمر بما هو أمر تأثير في مقربيّة العمل أصلًا، فإنّ المحقّق لعباديّة العمل هو صدوره عن داعٍ إلهي، وقد عرفت أنّ ما هو الداعي حقيقةً عبارة عن الملكة القلبيّة [١]. نعم، يمكن بنحو
[١] وإن خطر ببالك أنّه خروج عن محلّ النزاع، حيث إنّ المحقّق الخراساني رحمه الله بنى البحث على كون قصد القربة بمعنى إتيان العمل بداعي الأمر، فسيأتي جوابه في ص ١٠٧. م ح- ى.