نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٥٤ - «الثالث في أنحاء تعلّق الأمر و النّهي بالطّبيعة»
و إمّا لا اشتغال،فتدبّر جيّداً. و التّحقيق أنّ حقيقة البعث مثلاً هو الإنشاء بداعي جعل الدّاعي و لا يكون هذا الإنشاء الخاصّ داعياً إلاّ بوجوده العلمي الّذي لا يعقل الدّعوة منه إلاّ في موطن النّفس،لا بوجوده الواقعي الغير الواصل،و كما لا يعقل دعوة الأمر لوجوده الواقعي كذلك لا يعقل دعوته إلى أمر غير حاضر في أفق النّفس حتّى يتحقّق منه الدّعوة إليه في موطن الدّعوة و في محلّ انبعاث الشّوق إليه،و هكذا بالإضافة إلى متعلّق فعل المكلّف كالماء و الخمر و النّجس.
فانّ حضور هذه المتعلّقات أيضا في البعث إلى الشّرب أو الزّجر عنه في فعليّة الباعثيّة و الزّاجريّة لازم عقلاً،و هكذا الأمر بالإضافة إلى حركة العضلات بالقبض و البسط نحو موضوع خارجي فانّه لا يتحرّك العضلات نحو هذا الموضوع دون غيره جزافاً بل بسبب انطباق ذلك المتعلّق الكلّي على الجزئي في وجدان العقل لا في الخارج.
فانتهاء أمر دعوة البعث و الزّجر إلى ما تحرّك نحوه العضلات قبضاً و بسطاً خارجاً يقتضى حضور نفس البعث و الزّجر و متعلّقهما و ما يضاف إليه المتعلّق عنواناً و معنوناً في وجدان العقل بحيث لو اختلت إحدى هذه المقدّمات لم يعقل الدّعوة،فلا يعقل جعل الدّاعي بالفعل،و هذا هو السّر في اشتراط التّكليف بالقدرة أيضا فانّ نسبة القدرة إلى الإرادة نسبة النّقص إلى الكمال و القوّة إلى الفعل و الإمكان إلى الوجوب،فإذا لم يكن الشّيء مقدوراً لم يخرج الفعل من حدّ القوة إلى الفعل بالإرادة حتّى يعقل جعل الدّاعي المحصّل للإرادة.
و لا يخفى عليك أنّ الغرض من الإنشاء بداعي جعل الدّاعي حيث انّه جعله بنفسه داعياً على أيّ تقدير فلا محالة يكون بوجوده الواصل حقيقة داعياً، لما مرّ [١]سابقاً من أنّ المعلول الفعلي لا ينبعث عن علّة تقديريّة بل عن علّة
[١] -التعليقة:٢٢٦،ص ٥٢٤.