نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٧٠ - في الاستدلال بالعقل لأصالة البراءة
واجباً عقلاً أو شرعاً،و لا يخفى عليك أنّ الضّرر بما هو كالكذب بحيث لو خلّى و نفسه يكون قبيحاً لاندراجه تحت عنوان الظّلم فانّه بذاته من دون اندراجه تحت عنوان آخر قبيح فلا يتخلف عنه قبحه،و عليه فالكذب المنجي للمؤمن حيث انّه يندرج تحت عنوان العدل و الإحسان إلى المؤمن يتّصف بالحسن،و كذا الإقدام على الضّرر فانّه لا منافاة بين أن يكون بنفسه من دون ملاحظة شيء آخر مندرجاً تحت عنوان الظّلم القبيح،و بلحاظ ترتّب التّحرز عن أقوى الضّررين عليه أو ترتّب منفعة عليه مندرجاً تحت عنوان حسن فاتّصافه بالحسن العقلي و الشّرعي أحياناً لا يكشف عن عدم قبحه لو خلّى و نفسه،فإذا كان الإقدام على الضّرر الدّنيوي المحتمل كالإقدام على الضّرر المقطوع،كان التّكليف المحتمل كاشفاً عن المفسدة الّتي هي على الفرض ضرر دنيوي،و ليس هناك في نفسه ما يتدارك به الضّرر حتّى لا يكون قبيحاً بالفعل،فيجب الحكم بقبحه عقلاً هذا إذا كان المراد الإقدام على الضّرر ببعض الدّواعي العقلائيّة بما هي دواع عقلائيّة مبنيّة على ملاحظة الحسن و القبح،و أمّا الدّواعي العقلائيّة بما هي دواع حيوانيّة موافقة لقوّتي الشّهويّة و الغضبيّة فإقدام العقلاء حينئذٍ لا يكشف عن عدم القبح، كيف و أفراد العقلاء بما هم ذو و طباع بشريّة يقدّمون على ما هو مذموم عقلا و معاقب عليه شرعاً.
و ثانيهما:أنّ المشاهد من العقلاء ليس إلاّ الفرار عن الضّرر الدّنيوي لئلا يقعوا فيه لا لئلا يقعوا في ذمّه فليس هذا الفرار منهم بما هم عقلاء بملاك رعاية المدح و الذّم العقلائي حتّى يجدى هنا،بل بما هم ذو و شعور يحبّون أنفسهم،و يبغضون ما يؤذيهم على حد،فرار سائر أنواع الحيوانات من المؤذيات،و ليس ذمّهم على من لا يفرّ من الضّرر البحث إلاّ من باب الذّم على عدم شعوره لا الذّم على الفعل بما هو.
و التحقيق:أنّ بناء المدح و الذمّ-الّذي هو ملاك التّحسين و التّقبيح العقلائيين