نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٧١ - في الاستدلال بالعقل لأصالة البراءة
كما مرّ مراراً [١]-على كون الفعل ذا مصلحة عامّة و ذا مفسدة عامّة [٢]،بحيث لو لا هذا المدح و الذّم الّذي هو أوّل موجبات انحفاظ النّظام و أوّل موانع اختلاله، لكانت الطّباع البشريّة مقتضية للإقدام عليه،كما في الإضرار بالغير بالإقدام على قتاله أو التّعرض لعياله أو سلب ماله لا الإضرار بالنّفس بلا فائدة عائدة إليه،فانّ الزّاجر الطّبيعي و هو كونه منافراً له في حدّ ذاته كاف في الزّجر عنه فانّ ما يلحقه منه أعظم ما يلحقه من ذمّ العقلاء فالبناء العقلائي على المدح و الذّم انّما هو فيما لم يكن هناك باعث طبيعي أو زاجر طبيعي،و هو في الإحسان بالغير و الإساءة إليه لا في الإحسان إلى نفسه بجلب منفعة أو الإساءة إليه بالإقدام على مضرّة، و يشهد لما ذكرنا من عدم قبح الإضرار بالنّفس أنّه لو كان كالإضرار بالغير ظلماً قبيحاً لو خلّى و نفسه،لما ارتفع قبحه بمجرّد عود منفعة إليه،كما لا يرتفع قبح الكذب بمجرّد جلب منفعة إلى نفسه أو إلى غيره،مع أنّ تحمّل المضارّ لجلب المنافع الّتي لا يتضرّر بعدم تحصيلها ممّا عليه مدار عمل العقلاء من دون شبهة في عدم قبحه،و ليس كذلك الإضرار بالغير فإنّه قبيح و لو مع عود نفع إليه،فيعلم أنّ عدم الإقدام على الضّرر المحض لكونه سفهائيّاً لا لكونه قبيحاً بملاك قبح الظّلم،و عليك بإرجاع ما أفاده شيخنا العلاّمة-ره-إليه [٣].
ثمّ إنّه لو سلّمنا كون الإقدام على الضّرر ظلماً على النّفس لكنّه لا يجدى لما نحن فيه،فانّ الحسن و القبح بمعنى كون الفعل ممدوحاً عليه و كونه مذموماً عليه من صفات الأفعال الاختياريّة الصادرة عن علم و عمد،فلا يصدر ضرب اليتيم حسناً إلاّ إذا صدر بعنوان التّأديب اختياراً،و لا يكفى صيرورته مصداقا للتّأديب واقعاً،كما أنّ الصّدق لا يصدر قبيحاً إلاّ إذا صدر بعنوان كونه مهلكاً للمؤمن عن علم و عمدٍ،و لا يكفى كونه واقعاً كذلك،و عليه فقبح الفعل بما هو
[١] -التعليقة:١٠ و ٢٠٥،ص ٤١ و ٤٦٨ و ٣١٢ و ٣٢٠.
[٢] -(خ ل):انّ بناء المدح و الذّم...على كون الفعل ذا مصلحة عامّة و ذا مفسدة عامّة عامّةٌ.
[٣] -كفاية الأصول:ج ٢ ص ١٨٠.