نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٢٧ - في الملازمة بين حكم العقل و الشرع
لأنّا نقول:فرق بين جعل الدّاعي و تحقّق الدّاعي قهراً،فانّ الإنشاء بداعي جعل الدّاعي يترقّب منه الفعليّة عند انقياد العبد و فعليّتهما معاً عند انقياده غير معقول،بخلاف الإنشاء الواحد الملازم لتحقّق داع آخر قهراً،فانّ الدّاعي الآخر و إن كان يمكن دعوته لكنّه غير مجعول ليترقّب منه الدّعوة حتّى يكون لغواً أو محالاً،فاتضح الفرق بين صورة إحراز المصلحة الملزمة من طريق البعث و صورة إحرازها من غير طريق الأمر،فانّ الثّاني يمنع عن جعل الدّاعي مولويّاً دون الأوّل.
فافهم جيّداً هذا تمام الكلام في الشّق الأوّل من شقّي الملازمة.
و أمّا الثاني:و هو أنّ ما حكم به الشّارع هل يحكم على طبقه العقل أم لا؟ و مختصر القول فيه أنّ الحكم الشّرعي لا يكشف عن المصلحة و المفسدة لا إجمالاً فلا يعقل الحكم من العقل بحسنه أو قبحه تفصيلاً،و أمّا الحكم بحسنه أو قبحه إجمالاً بأن يندرج تحت القضايا المشهورة بقسميها فلا دليل عليه،لأنّ المصالح و المفاسد الّتي هي ملاكات الأحكام الشّرعيّة المولويّة لا يجب أن يكون من المصالح العموميّة الّتي ينحفظ بها النظّام و يبقى بها النّوع،كما أنّ الأحكام الشّرعيّة غير منبعثة عن انفعالات طبيعيّة من رقّة أو حميّة أو أنفة أو غيرها، و لا ملاك للحسن و القبح العقليين إلاّ أحد الأمرين.
نعم،العقل يحكم بأنّ الأحكام الشّرعيّة لم تنبعث إلاّ عن حكم و مصالح خاصّة راجعة إلى المكلّفين بها،فالحكم بالعلّة لمكان إحراز المعلول أمر و الحكم بالحسن و القبح العقلائيين أمر آخر،هذا هو الحقّ الّذي لا محيص عنه بناء على ما عرفت من حقيقة الحسن و القبح العقليين و أنّ قضيّتهما داخلة في القضايا المشهورة لا القضايا البرهانيّة و أنّ حقيقتها بلحاظ توافق الآراء و لا واقعيّة لهما غير ذلك،فتدبّره جيّداً و إن كان خلاف ظاهر كلمات الأصوليين بل غير واحد من أهل المعقول إلاّ أنّ المتّبع هو البرهان.
فان قلت:قد اشتهر بين العدليّة أنّ الواجبات الشّرعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة و أنّ المندوبات الشّرعيّة ألطاف في المندوبات العقليّة فيعلم منه أنّ موارد التّكاليف الشّرعيّة واجبات عقليّة أو مندوبات عقليّة و لا نعنى بالملازمة إلاّ