نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٣٢ - «الأمر الثاني في إمكان التعبّد بالأمارة وقوعاً»
التّزاحم بين الملاكين،و حيث إنّ المفروض فعليّة وجوب الجمعة بقيام الأمارة عليه فيعلم منه أنّ مصلحتها أقوى تأثيراً من مصلحة الواقع،فيزول الحكم الواقعي و هو التّصويب،لأنّ لازمه دوران بقاء الحكم الواقعي و تأثير مصلحة فيه مدار عدم قيام الأمارة المخالفة على حدّ التّصويب اللاّزم من دوران الحكم الواقعي مدار قيام الأمارة عليه.
غاية الأمر أنّ الحكم لا ثبوت له حتّى بثبوت المقتضى في هذا الشّق دون الشّق المتقدّم،فانّ مجرّد المزاحمة في التّأثير لا يقتضى سقوط الملاك بنفسه،بل سقوطه عن التّأثير فقط،إلاّ أنّ التّحقيق أنّ فرض التّزاحم فرض أمر غير معقول، لأنّ تزاحم الملاكين المقتضيين لجعل الحكم فرع تنافي مقتضاهما،و مقتضاهما غير متنافيين إلاّ بملاحظة انتهاء الجعلين إلى حكمين فعليين،مع أنّ أحد الحكمين بنفسه و بملاكه مرتّب على عدم وصول الحكم الواقعي،فلنا دعويان.
إحداهما:ترتّب الحكم و ملاكه على عدم وصول الحكم الآخر.
ثانيهما:عدم فعليّة الحكم الواقعي إلاّ بفعليّة موضوعه و بوصوله لا بفعليّة موضوعه كما قيل.
أمّا الأولى:فمن البيّن أنّ حجيّة الأمارة-سواء قلنا بالطّريقيّة أو بالموضوعيّة- منوطة بكون المورد مورد التّعبّد بها،و ليس مورد التّعبّد إلاّ في صورة الجهل بالواقع و عدم وصوله و لا محالة يكون هذا الحكم عن ملاك يقتضي مثل هذا التعبّد،فمصلحة الجمعة متقيّدة قهراً بعدم وصول وجوب الظّهر.
و أمّا الثّانية:فقد مرّ منّا مراراً [١]أنّ فعليّة الموضوع دخيلة في فعليّة حكمه المجعول عليه بنحو القضيّة الحقيقيّة،لا أنّ فعليّتها تمام العلّة في فعليّة الحكم، إذ يستحيل أن يكون الإنشاء الواقعي المتعلّق بالمكلّف الّذي هو تمام الموضوع لهذا الحكم المجعول مصداقاً لجعل الدّاعي و موصوفاً بالباعثيّة حقيقة،و ما لم يصل الإنشاء إلى حدّ الباعثيّة لا يضادّ الزّجر و لا يماثل بعثاً آخر ليلزم اجتماع
[١] -التعليقة:٢٧،ص ٧٧.