تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٦٢٦ - شبهة اخرى في الاستدلال على بناء العقلاء
وجود الاختلاف الشديد بين آرائهم و عدمه، و لكنّه خلاف التحقيق.
و هذه الشبهة لا ترتفع إلّا بإثبات الأمر الثاني المتقدّم، و هو إثبات رضا الشارع و إمضائه لرجوع العوامّ إلى المجتهدين في زمان الغيبة في تلقّي الأحكام منهم، مع شدّة احتياجهم إليه، و علمهم (عليهم السلام) بابتلاء الناس بزمان الغيبة، و أنّه بعد الغيبة و ختم الولاية الظاهريّة يتحقّق الاختلاف الشديد بينهم، طبعاً يقطع بذلك من تأمّل و تدبّر في ذلك؛ من دون احتياج إلى العلم بالغيب، و حينئذٍ فمع وضوح أداء الأمر إلى ذلك، و علمهم (عليهم السلام) بذلك، و تحقّق بناء العقلاء في جميع الأعصار على رجوع الجاهل إلى العالم، فعدم ردعهم عنه كافٍ في الإمضاء، و كاشف عن أنّ رجوع العوامّ إلى المجتهدين في ذلك الزمان مرضيّ لديهم، و إلّا وجب عليهم الردع.
و أمّا ما ذكره شيخنا الحائري (قدس سره) في دفع الشبهة بأنّ للأحكام مراتب: الواقعيّة الأوّليّة، و الواقعيّة الثانويّة، و الأحكام الظاهريّة، و المطلوب في مقام الاحتجاج هي الأحكام الظاهريّة؛ لأنّ المقصود هو التخلّص من العقاب، و الفقهاء كلّهم مصيبون فيها و إن كثر الاختلاف بينهم جدّاً [١].
ففيه: أنّه إنّما يصحّ بالنسبة إلى وظيفة المجتهد نفسه، لا بالنسبة إلى مقلّده العامّي، فإنّ المجتهد معذور لو خالف نظره الواقع، و أدّى إلى خلافه؛ لو استفرغ وسعه و بذل جهده في مقام الاستنباط، و أمّا العامّي فاللّازم عليه: إمّا العمل بالواقع، و إمّا بما هو عذر، و مجرّد معذوريّة الفقيه لنفسه لا يستلزم معذوريّة الجاهل المقلِّد له.
و كذلك ما أفاده في دفعها: من أنّ خطأ المجتهدين في الآراء و الأنظار و إن كان كثيراً في نفسه، لكنّه بالنسبة إلى موارد الإصابة في غاية القلّة؛ بحيث يكون احتمال الخلاف و الخطأ عند العقلاء في كلّ مورد مُلغى [٢].
[١]- البيع، الشيخ الأراكي ٢: ٤١١- ٤١٢.
[٢]- نفس المصدر.