تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٧٨ - ثلث ثلث
كأَنَّه نَقَضَ كلامَه بِمَا حَكَاه ثِلْثِ النَّاقَةِ: وَلدِها الثالث ، و هذا غَيُرُ وارِد عَلَيْه؛ لأَنَّ مُرادَ الجَوْهَرِيّ أَنّ الثِّلْثَ في الأَظْماءِ غيرُ وارِدٍ، و نَصُّ عبارَتِه: و الثِّلْثُ بالكَسْرِ من قَوْلِهِمْ: هو يَسْقِي نَخْلَه الثِّلْثَ ، و لا يُسْتَعْمَلُ الثِّلْثُ إِلا في هََذا المَوْضِع، و ليس في الوِرْدِ ثِلْثٌ ؛ لأَنَّ أَقْصَرَ الوِرْدِ الرِّفْهُ:
و هو أَنْ تَشْرَبَ الإِبِلُ كلَّ يومٍ، ثم الغِبُّ: و هو أَنْ تَرِدَ يوماً و تَدَعَ يوماً، فإِذا ارتَفَعَ من الغِبِّ فالظِّمْءُ الرَّبْعُ، ثُمّ الخِمْسُ، و كذلك إِلى العِشْرِ، قاله الأَصْمَعِيّ. انتهى.
فعُرِف من هَذَا أَنَّ مُرَادَه أَنّ الأَظْماءَ ليسَ فِيهَا ثِلْثٌ ، و هو صحيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْه، و وجودُ ثِلْثِ النَّخْلِ، أَو ثِلْثِ النَّاقَةِ- لِوَلدِهَا الثَّالِث -لا يُثْبِتُ هَذا، و لا يَحُومُ حَوْلَهُ، كما هُو ظاهِرٌ، فقوله: فيه نَظرٌ، فيه نَظَرٌ. كما حَقَّقه شيخُنا.
و جَاءُوا ثُلاثَ ثُلاثَ و مَثْلَث مَثْلَث ، أَي ثَلاَثَةً ثَلاثَةً .
و قال الزَّجّاج: في قولهِ تَعالى: فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ مَثْنىََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ [١] معناه: اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ [٢] ، وَ ثَلاَثاً ثَلاثاً، إِلاّ أَنَّهُ لمْ يَنْصَرِفْ؛ لِجِهَتَيْنِ: و ذلك أَنَّهُ اجتمَعَ عِلَّتانِ: إِحداهما أَنه مَعْدُولٌ عن اثْنَيْن اثْنَيْن و ثَلاثٍ ثلاثٍ، و الثانية [٣] أَنّه عُدِلَ عن تَأْنِيثٍ.
و في الصّحاحِ: ثُلاثُ و مَثْلَثُ غيرُ مَصْرُوفٍ للعَدْلِ و الصِّفَة، و المُصَنِّف أَشار إِلى عِلَّة واحدةٍ، و هي العَدْل، و أَغْفَلَ عن الوَصْفِيّة فقال: مَعْدُولٌ من ثَلاثَةٍ ثلاثَةٍ إِلى ثُلاثَ وَ مَثْلَثَ ، و هو صِفَةً؛ لأَنَّك تقُول: مَرَرْتُ بقومٍ مَثْنَى و ثُلاَثَ، و هذا قول سيبويه.
و قال غيرُه: [٤] إِنّمَا لَمْ يُصْرَفْ [٥] لِتَكَرُّرِ العَدْلِ فيه: في اللَّفْظِ، و المعنَى لأَنَّهُ عُدِلَ عن لفظِ اثْنَيْنِ إِلى لفظِ مَثْنَى و ثُنَاءَ، و عن معنى اثْنَيْنِ إِلى معنَى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ[لأَنك] [٦] إِذَا قُلْتَ: جاءَتِ الخيلُ مَثْنَى، فالمَعْنَى: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَي جَاءُوا مُزْدَوِجِين [٧] ، و كذلك جميعُ معدولِ العَدَدِ، فإِنْ صَغَّرْتَه صَرَفْتَه، فقلتَ: أُحَيِّدٌ و ثُنَيٌ [٨] و ثُلَيِّثٌ و رُبَيِّعٌ؛ لأَنَّه مثل حُمَيِّر، فخرج إِلى مِثَالِ ما يَنْصَرِف، و ليس كذلك أَحْمَدُ و أَحْسَنُ؛ لأَنَّه لا يَخْرُجُ بالتَّصْغِير عن وزْنِ الفِعْل؛ لأَنَّهم قد قالوا-في التَّعَجّب-: ما أُمَيْلِحَ زَيْداً، و ما أُحَيْسِنَهُ.
١٦- و في الحديث : «لكن اشْرَبُوا مَثْنَى و ثُلاثَ و رُباعَ وَ سَمُّوا اللََّهَ تَعالَى». يقال: فعلت الشيءَ مَثْنَى و ثُلاثَ و رُبَاعَ، غيرَ مصروفاتٍ، إِذا فَعْلَتَه مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ، و ثَلاثاً ثَلاثاً، و أَربَعاً أَرْبَعاً.
و ثَلَثْتُ القَوْمَ أَثْلُثُهُم ثَلْثاً ، كنَصَرَ: أَخَذْتُ ثُلُثَ أَمْوَالِهِم، و كذلك جميع الكُسور إِلى العُشْر.
و ثَلَثْتُ ، كَضَرَبَ أَثْلِثُ ثَلْثاً : كُنْتُ ثَالِثَهُم ، أَو كَمَّلْتُهم ثَلاثَةً ، أَو ثَلاثِينَ ، بِنَفْسي. قال شيخُنا: «أَو»هُنَا بمعنى الواو، أَو للتَّفْصِيل و التَّخْيِير، و لا يَصحّ كونُهَا لتَنْويعِ الخِلاف. انتهى.
قال ابن منظور: و كذلك إِلى العَشَرَة، إِلاّ أَنّك تَفْتَح:
أَرْبَعُهُم و أَسْبَعُهُم و أَتْسَعُهُم فيها [٩] جميعاً؛ لِمَكَانِ العَيْنِ.
و تقولُ: كانوا تِسْعَةً و عِشرِينَ فَثَلَثْتُهم ، أَي صِرْتُ بهم تَمَامَ ثَلاَثِين و كانوا تِسْعَةً و ثَلاثِين فَرَبَعْتُهم، مثل لفظ الثّلاثةِ و الأَرْبَعَة، كذلك إِلى المائةِ، و أَنشدَ ابنُ الأَعْرَابِيّ قولَ الشاعر في ثَلَثَهُم إِذا صارَ ثالِثَهُم ، قال ابنُ بَرِّيّ: هو لعَبْدِ اللََّه بنِ الزَّبِيرِ الأَسَدِيّ يهجو طَيّئاً:
فإِنْ تَثْلِثُوا نَرْبَعْ و إِنْ يَكُ خَامِسٌ # يَكنْ سَادِسٌ حتّى يُبِيرَكُمُ القَتْلُ
[١] سورة النّساء الآية ٣.
[٢] الأصل و التهذيب، و في اللسان: «اثنين اثنين»و أشار بهامشه إلى صحة ما أثبتناه.
[٣] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله و الثانية الخ، كذا بخطه و لتحرر هذه العبارة». و في التهذيب و اللسان فكالأصل.
[٤] يريد غير سيبويه، و الكلام للجوهري.
[٥] الصحاح: ينصرف.
[٦] زيادة عن الصحاح.
[٧] قوله «مزدوجين»خطأ صوابه: جاءت مزدوجة أو مزدوجات، فالإخبار عن الخيل بجمع المذكر السالم فخطأ.
[٨] في الصحاح: «ثنِّيىٌ»و الصواب ما أثبت. قال الرضي في شرح الكافية ١/٢٣١ فإذا حقر نحو عطاء قلب ألفه ياء كما في حمار فيرجع لام الكلمة إلى أصلها من الواو لزوال الألف قبلها، ثم تنقلب ياء لتطرفها مكسورا ما قبلها، فتجتمع ثلاث ياءات: الأولى للتصغير، و الثانية عوض من الألف الزائدة و الثالثة عوض عن لام الكلمة، فتحذف الثالثة نسبا فيقال عطى، و يدور الإعراب على الثانية».
[٩] في الصحاح: «فيهما». أي في معنى الأخذ، و في معنى كونه مكملاً للعدد.