تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٣٠ - ليت ليت
قال: و لا تَكُون لاتَ إِلاّ مَع حِينَ قال ابنُ بَرِّيّ: هذا القَوْلُ نسبَه الجوهريّ إِلى الأَخْفَش، و هو لسِيَبَوَيْه، لأَنه يَرى أَنَّها عامِلَةٌ عَمَلَ ليس، و أَما الأَخْفَشُ فكان لا يُعمِلُها، و يرفَعُ ما بعدَها بالابتداءِ إِن كان مَرْفوعاً، و ينصبه بإِضمارِ فِعْل إِن كان مَنْصُوباً، قال: و قد تُحْذَفُ أَي لفظةُ «حين»في الشعر، و هي أَي تلكَ اللَّفْظَة مُرادَةٌ فتُقَدّر، و هو قول الصّاغانيّ [١] ، و الجَوْهَرِيّ، و إِياهُما تَبِعَ المُصَنّف كقول مازِنِ بنِ مَالِكٍ: حَنَّتْ و لاتَ هَنَّتْ وَ أَنَّى لَكَ مَقْرُوعُ [٢]
فحذفَ الحِينَ، و هو يُريدُه.
و وجَدْتُ في الهامش أَنَّ هذا ليْسَ بشعرٍ، و إِنّما هو كَلامٌ تُمُثِّلَ بِه، و له حكايةٌ طويلةٌ.
قال شيخُنا: و قد تعَقَّبُوه، يعني القولَ الذي تبع فيهِ الشَّيْخَيْنِ، فقالوا: إِن أَرادُوا الزّمانَ المحذوفَ مَعْمُولُه فلا يَصِحُّ، إِذ لا يَجُوز حَذْفُ معمولَيْها، كما لا يجوز جَمْعُهُما، و إِن أَرادُوا أَنّها مْهْمَلَةٌ و أَن الزّمان لا بد منه لتصحيح استعمالها، فلا يَصِحُّ أَيضاً، لأَنَّ المُهْمَلَة تَدْخُل على عيرِ الزّمان.
قلت: هو الذي صَرّحَ به أَئمةُ العربيّة، قال أَبو حَيّان -في ارْتِشافِ الضَّرَبِ من لسانِ العَرَبِ-: و قد جَاءَت لاتَ غيرَ مضافٍ إِليها «حين»و لا مَذْكُورٍ بعدها «حين»، و لا ما رَادَفَهُ في قول الأَزَدِيّ [٣] .
تَرَكَ الناسُ لنَا أَكْنَافَنَا # و تَوَلَّوْا لاتَ لَمْ يُغْنِ الفِرارُ
إِذْ لَوْ كانت عامِلَةً لم يُحْذَف الجُزآنِ بعدَها، كما لا يُحْذفانِ بعد «ما»، و «لا»العاملتَيْنِ عَملَ ليس، و صَرّحَ به ابنُ مالكٍ في التَّسْهيل و الكافيةِ و شُروحِهما، ثم قال: و قد أَجْحَفُوا بهذا اللّفظِ في حقيقته و عَملِه، فكان الأَوْلَى تَرْكَهُ أَو عدمَ التَّعَرُّضِ لبَسْطِ الكلام فيه، و إِنما يَقتصرون على قَوْلِهم: و لاتَ النّافيةُ العاملةُ عَملَ ليس.
و حاصلُ كلامِ النُّحاةِ فيها يَرجعُ، إِلى أَنهم اختَلَفُوا في كلٍّ من حقِيقَتِها وَ عَملِها: فقالوا: في حقيقتها أَربعةُ مذاهِب [٤] :
الأَوّل: أَنّها كلمةٌ واحدةٌ، و أَنّها فِعْلٌ ماضٍ، و اختَلَفَ هؤلاءِ على قولين:
أَحدهما: أَنها في الأَصل لاتَ بمعنى نَقَص. و منه [لاََ] يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمََالِكُمْ [٥] ، ثُمّ استُعْمِلَتْ للنَّفْيِ، كَقَلَ [٦] ، قاله أَبو ذَرٍّ الخُشَنّي [٧] في شَرْحِ كتاب سيبويهِ، و نَقَلَه أَبو حيَّان في الارْتِشَاف، و ابنُ هِشامٍ في المُغْنِي، و غير واحد.
ثانيهما: أَنَّ أَصْلَها لَيسَ بالسّين، كفَرِح، فأُبْدِلت سينُها تاءً، ثم انْقَلَبت اليَاءُ أَلِفاً، لتحرُّكِها و انفِتاح ما قبلها، فلمّا تَغَيَّرتْ اختَصَّتْ بالحِين، و هذا نقله المُراديّ عن ابنِ الرّبيع [٨] .
و المذهب الثاني: أَنها كلمتان: لا النّافيةُ، لحِقَتْها تاءُ التَّأَنيث، لتأْنِيثِ اللّفظ، كما قاله ابنُ هشامٍ [٩] و الرَّضِيّ، أَو لتأْكيد المُبَالَغَةِ في النَّفْيِ، كما في شَرْح القَطْرِ لمُصَنِّفه، و هذا هو مذهب الجُمهور.
الثالث: أَنها حرْفٌ مُستَقِلٌّ، ليس أَصلُه «ليسَ»و لا «لا»، بل هو لَفْظٌ بسيطٌ موضوعٌ على هذه الصّيغة، نقله الشيخ أَبو إِسحاقَ الشَّاطِبيُّ، في شرح الخُلاصة، و لم يَذْكُرْه غيْرُه من أَهل العَرَبِيّة على كثرةِ استِقْصائِها.
الرابع: أَنّها كلمةٌ و بعضُ كَلِمَةٍ، «لا»النافيةُ، و التاءُ مزيدةٌ [١٠] في أَوّل «حين»، و نُسِبَ هذا القول لأَبِي عُبَيْد [١١]
و ابنِ الطَّرَاوَةِ، و نقله عنهُما في المُغْنِي، و قال: استدَلَّ أَبو عُبيدٍ بأَنه وجَدَها مُتّصِلَةً في «الإِمام»، أَي مُصحَف
[١] لم يرد ذلك في التكملة.
[٢] مقروع لقب عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم. و ضمير حنّت لهجيمانة بنت العنبر بن عمرو بن تميم. انظر اللسان (قرع) .
[٣] كذا بالأصل «الأزدي»و في المطبوعة الكويتية: «الأودي».
[٤] في المغني (لات) : ثلاثة مذاهب.
[٥] الحجرات الآية ١٤.
[٦] بالأصل «كعلّ»و ما أثبت عن المغني و بهامش المطبوعة المصرية: قوله كعلّ كذا بخطه و هو تصحيف و الصواب كقلّ كما في المغني و هو ظاهر لأن قلّ تستعمل للنفي».
[٧] هو مصعب بن محمد (ت ٦٠٤ هـ) عالم أندلسي برع في الحديث و الفقه و النحو و الأدب و أيام العرب.
[٨] و مثله في المغني لابن هشام.
[٩] زيد في المغني: كما في ثمّت و ربّت و إنما وجب تحريكها لالتقاء الساكنين.
[١٠] في المغني: زائدة.
[١١] في المغني: أبي عبيدة.